الطريق
السبت 10 أكتوبر 2026 04:06 صـ 26 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
حزب الجيل بالدقهلية يحيي ذكرى انتصارات أكتوبر.. «روح العبور» إرادة وطنية لبناء الجمهورية الجديدة محافظ قنا يوجه برفع درجة الإستعداد لمواجهة التغيرات الجوية وتدابير عاجلة مع أي تداعيات محمد ثروت هيكل: مصر تقود الإغاثة والتعافي في غزة وتتصدى للتهجير بحضور رئيس الجمعية الشرعية وقياداتها.. افتتاح «مجمع أفنان الخيري» بالسويس وتكريم حفظة القرآن بجوائز عمرة ومكافآت مالية الملك محمد السادس في خطابه خلال افتتاح السنة التشريعية الجديدة: نموذج التعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزا... والشراكة مع إسبانيا لن تكون... الملك محمد السادس في خطابه خلال افتتاح السنة التشريعية: الاعتزاز بمغربية الإنسان ليس للتباهي.. بل مسؤولية وواجب وطني عماد رشاد في ”ورقة بيضا”: صداقتي بفاروق الفيشاوي محطة لا تُنسى.. والمسرح هو بيتي الأول «نجم الموسم» أحمد فهمي يستقر على اسم مسلسله الجديد في رمضان 2027 الاتحاد الدولي للريشة الطائرة في زيارة تاريخية للمتحف المصري الكبير ومنطقة الأهرامات غلق باب التسجيل والاعلان عن اكتمال النصاب القانوني للجمعية العمومية لنادي الزهور أرض معركة النصر كيف تبدو فضاءاً .. صور فضائية لموقعي ملحمة كبريت والدفرسوار ما بين الماضي والحاضر أمين سر اقتصادية النواب: زيارة السيسي إلى كوريا تدعم الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتعزيز الصادرات

دكتور عماد الدين فهمي يكتب: أحقر الكذابين هو مَن يمنحك نصف الحقيقة ليخفي عنك النصف الآخر

الدكتور عماد الدين فهمي استشاري التغذية العلاجية
الدكتور عماد الدين فهمي استشاري التغذية العلاجية

في عالم الأدب والفكر، لا مكان للأحكام القطعية المسطحة أو تصنيف الأمور كأبيض وأسود بنسبة 100%، فالمسائل الفكرية نسبية وتحتاج إلى عمق وتدقيق، مشيرًا إلى أنه مؤخرًا، تداول البعض مقطع فيديو يظهر فيه الدكتور ضياء العوضي موجهًا اتهامات قاسية ومباشرة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين واصفًا إياه بالحرامي والسارق علميًا.

يزعم المتحدث في مقطعه أن الإعلام يصدر للمجتمع رموزًا مزيفة، مدعيًا أن طه حسين سرق كتابه الشهير في الشعر الجاهلي من المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث وتحديدًا من دراسته أصول الشعر العربي، كما أضاف فرضيه أخرى زاعمًا فيها أن العميد سرق كتابًا وأفكارًا تخص المتنبي من العالم والمحقق الكبير محمود محمد شاكر، فتلك الادعاءات تخلط الحقائق بالتدليس، وتفتقر تمامًا إلى الدقة المنهجية والتاريخية.

 وفيما يلي تفنيد ساحق لهذه الأباطيل بالحقائق والوثائق:

فالقول أن طه حسين سرق ونسخ أفكاره من المستشرقين ادعاء باطل جملة وتفصيلاً، والحقيقة العلمية أن طه حسين تأثر بمناهجهم النقدية الحديثة، والتقت رؤيته مع بعض نتائجهم، فهو لم يكن ناقلاً، بل أخذ تلك المناهج وأعاد صياغتها بالكامل داخل السياق العربي من روحه وبصيرته الفذة، وقد نشر مرجليوث مقالته "The Origins of Arabic Poetry" في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية في يوليو عام 1925، وفي نفس العام كان طه حسين يلقي محاضراته الشهيرة على منابر الجامعة المصرية، والتي جُمعت لاحقًا وصدرت في كتابه التاريخي في الشعر الجاهلي في مارس 1926 زمنيًا، الفارق بضعة أشهر فقط، والبحثان كانا يجريان بالتوازي في فضاء أكاديمي عالمي يتأثر ببعضه البعض وأغلب الظن أنه حدث العكس، لكن هناك شهادة براءة تاريخية من الخصم نفسه، فحين اشتعلت النيران في العشرينيات واتُهم العميد بالسطو العلمي، جاء الرد الصاعق ممن لا يمكن تكذيبه مرجليوث نفسه في مقال تاريخي نُشر عام 1927 حيث خرج المستشرق البريطاني ليعلنها مدوية أمام العالم ويبرئ طه حسين كليًا، مؤكدًا أن كلاً منهما توصل إلى نتائجه بشكل مستقل تمامًا عن الآخر دون أي نقل أو اقتباس وهي الشهادة التي يدعمها فطاحل الأساتذة والباحثين العرب الكبار حتى يومنا هذا.

ملاحظة تكشف جهل المتحدث.. وصف المتحدث في الفيديو مرجليوث بأنه مستشرق ألماني يهودي؛ بينما الحقيقة أنه مستشرق بريطاني ولد في لندن وكان قسًا في الكنيسة الإنجليزية؛ مما يوضح أن المتحدث ينقل معلومات مشوشة دون أدنى تحقيق، أما الادعاء الثاني حول سرقة أفكار المحقق محمود محمد شاكر في قضية المتنبي، فقد صوّره المتحدث بشكل مقلوب ومبتذل؛ فأصل القصة في عام 1936، نشر محمود محمد شاكر سلسلة مقالات في مجلة "المقتطف" عن المتنبي، ثم أصدر طه حسين كتابه الشهير مع المتنبي ولاحظ محمود شاكر أن طه حسين أورد في كتابه بعض الأفكار والتحليلات الوجدانية مثل الحديث عن بيئة المتنبي ونسبه وأثرهما في شعره والتي كان شاكر قد سبقه إليها في مقالاته، دون أن يشير العميد إليه كصاحب فضل سبق، ولم يقل أحد من المحققين الثقات إنها سرقة بالمعنى الحرفي بل اعتبروها نوعًا من الاستحواذ على الأفكار أو عدم إسناد الفضل لتلميذه في سياق الخصومة والكبرياء الأكاديمي، ووصف العميد بالحرامي بناءً على هذه المعركة هو جهل صارخ بآداب النقد وتاريخ المدارس الأدبية.

الخلاصة: عبقرية العميد لا يحجبها الغبار

نحن نتحدث في النهاية عن عميد الأدب العربي؛ الرجل الذي أثرى المكتبة العربية بأكثر من 60 كتابًا و6 روايات خالدة، وكان يتحدث العربية والفرنسية بكل طلاقة، ويجيد الإنجليزية كأهلها، نعم لقد أصيب الدكتور طه حسين بالعمى في جسده، ولكنه لم يُصب قط بـالعمى الفكري، وهذا المقطع يندرج تحت طائلة صناعة المحتوى الإثاري الرخيص، حيث تُبادَر القامات الفكرية الكبرى بألفاظ صادمة لجذب المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي.

طه حسين واجه في عصره نقدًا عنيفًا وردودًا علمية رصينة وصارمة من فطاحل علماء الأمة مثل مصطفى صادق الرافعي، والشيخ محمد الخضر حسين، لكن أحدًا من هؤلاء الفرسان لم يتهمه يومًا بالسرقة المبتذلة، بل ناقشوه واعترضوا على منهجه علميًا في ساحات الفكر الشريف، فشتان الفارق بين نقد العلماء وتدليس الجهلاء، ومرة أخرى أقولها أن أحقر الكذابين هو مَن يمنحك نصف الحقيقة، ليخفي عنك النصف الآخر سواء في الدين أو الطب أو النقد.