نظام المرحلتين يجعل الجولة التاسعة عشرة النهائي الحقيقي للدوري المصري
اعتاد جمهور الكرة المصرية أن ينظر إلى جدول الترتيب في الخريف نظرة عابرة، فالموسم طويل واللقب يُحسم عادة في الربيع بين الأهلي والزمالك ومعهما بيراميدز. صيغة المرحلتين غيّرت هذه العادة. عند صافرة الجولة التاسعة عشرة يُشطر الترتيب نصفين، ومن يقع تحت الخط يبقى أسيره إلى آخر يوم، مهما انتفض لاحقًا في الملاعب.
النتيجة أن مباراة واحدة في نهاية المرحلة الأولى قد تساوي موسمًا كاملًا. لو افترضنا أن الخط يقع بعد المركز العاشر، فإن صاحب هذا المركز يقضي بقية العام في مواجهات الكبار وحسابات المقاعد الأفريقية، بينما يقضي جاره في المركز الحادي عشر الشهور التالية مع فرق تتصارع على البقاء. والفارق بينهما قد لا يتجاوز نقطة واحدة أو هدفًا في الدقيقة الأخيرة من مباراة منسية. ولهذا يرى بعض المحللين أن الجولة التاسعة عشرة أصبحت أثقل من أي قمة تقليدية، لأنها تحسم مصير عشرين ناديًا دفعة واحدة وفي ليلة واحدة تقريبًا.
لماذا يصبح الخط الفاصل أهم من اللقب في الخريف
هذا الضغط حول الخط لا يظهر في الجدول وحده، بل في قراءة الأسواق الرياضية للمباريات أيضًا. فمن يتابع خطوط مباريات الدوري المصري على 1win في الأسابيع الأخيرة من المرحلة الأولى يلاحظ كيف تتقارب الاحتمالات في مواجهات فرق الوسط، وكيف تتحرك الأرقام بعد كل نتيجة تمس المراكز من الثامن إلى الثالث عشر. هذه الحركة مرآة دقيقة لما يشعر به اللاعبون في غرف الملابس.
الفكرة بسيطة في ظاهرها. النقاط التي يجمعها كل فريق في المرحلة الأولى تنتقل معه إلى المرحلة الثانية، ثم يلعب كل فريق مع أبناء مجموعته فقط. المجموعة العليا تتنافس على الدرع وبطاقات أفريقيا، والسفلى تبحث عن النجاة من الهبوط. فريق ينهي الجولة التاسعة عشرة في المجموعة السفلى بفارق نقطة عن الخط لن يلعب أمام الأهلي مرة أخرى هذا الموسم، مهما كانت سلسلة انتصاراته بعد ذلك. وهنا يكمن جوهر الصيغة، فهي تكافئ الثبات المبكر وتعاقب البداية البطيئة بقسوة لا يعرفها الدوري بنظامه القديم.
حسابات فرق الوسط قبل الجولة الأخيرة
قديمًا كانت كبوة أكتوبر تُنسى بسهولة، إذ يملك نادٍ متوسط كسموحة أو المصري ربيعًا كاملًا ليرمم رصيده في الترتيب. الآن تغيرت المعادلة. التعثر في الخريف قد يحبس الفريق في المجموعة الخطأ، والتعويض في الربيع لا يعيده إلى الأعلى مهما بلغ. لذلك يدخل المدربون الجولات الخمس الأخيرة من المرحلة الأولى بعقلية الكأس، ويحسبون كل نقطة كأنها هدف في مباراة إقصائية. حتى توزيع الأحمال البدنية يتغير، فبعض الأجهزة الفنية تفضل إراحة الأساسيين في مباراة الكأس المحلية لتوفير طاقتهم لمواجهة الدوري التي تحدد المجموعة.
ويمتد الأثر إلى الإدارات. نادٍ في المجموعة العليا يضمن مباريات أكثر جماهيرية ونقلًا تلفزيونيًا أوسع، وهذا ينعكس على الرعاة وعلى قدرة النادي على الاحتفاظ بلاعبيه في فترة الانتقالات الشتوية. والوجه الآخر قاتم، فمن يسقط تحت الخط ينتظره شتاء طويل يحسب فيه المدرب النقاط بعين على قاع الترتيب. والمفارقة أن فريقًا بميزانية متوسطة قد يجد نفسه في وضع أفضل ماليًا من نادٍ أغنى منه، لمجرد أنه جمع نقطة إضافية في ليلة خريفية باردة أمام مدرجات نصف ممتلئة في ملعب صغير.
ماذا تقول الأرقام عن الفرق القريبة من الخط
لنأخذ مثالًا توضيحيًا لجدول افتراضي قبل جولتين من نهاية المرحلة الأولى. ستة فرق تتزاحم حول الخط، والفارق بين الثامن والثالث عشر خمس نقاط فقط، أي أقل من حصيلة فوزين. النتائج مفتوحة على الاتجاهين لكل فريق من الستة، وهذا ما يكشفه الجدول التالي بوضوح تام. الأرقام هنا ليست لموسم بعينه، لكنها قريبة جدًا في توزيعها وفوارقها الضيقة مما تشهده المنطقة الوسطى في الدوري المصري خلال المواسم الثلاثة أو الأربعة الأخيرة.
|
المركز في منطقة الخط |
النقاط |
الجولات المتبقية |
الحد الأقصى الممكن |
|
الثامن |
28 |
2 |
34 |
|
التاسع |
27 |
2 |
33 |
|
العاشر |
26 |
2 |
32 |
|
الحادي عشر |
26 |
2 |
32 |
|
الثاني عشر |
24 |
2 |
30 |
|
الثالث عشر |
23 |
2 |
29 |
اللافت هنا أن العاشر والحادي عشر متساويان في النقاط، فالحسم قد يأتي من فارق الأهداف أو المواجهات المباشرة. وحتى صاحب المركز الثالث عشر لم يخرج من السباق، فإذا فاز في مباراتيه وخسر العاشر مرتين، يتجاوزه بنقطة واحدة. في سيناريو كهذا تصبح مباراة الجولة التاسعة عشرة بين العاشر والحادي عشر أهم من قمة تجمع فريقين ضمنا التأهل للمجموعة العليا منذ أسابيع.
كيف تغيّر الجولة التاسعة عشرة طريقة لعب المدربين
المدرب الذي يقف فريقه فوق الخط بنقطتين قبل الجولة الأخيرة يواجه سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة. هل يلعب على التعادل ويحمي ما لديه، أم يهاجم بحثًا عن هامش أمان؟ كثير من المدربين في الدوريات التي تعتمد هذا النظام، مثل الدوري البلجيكي والاسكتلندي، يميلون إلى الحذر، فتأتي المباريات الأخيرة قبل الانقسام مغلقة وقليلة الأهداف. والمتوقع أن يتكرر المشهد نفسه في ملاعب القاهرة والإسكندرية والسويس. ومن يجلس في المقصورة الصحفية يرى أثر هذا الحذر في سلوك ملموس:
- المهاجم البديل لا يدخل غالبًا قبل الدقيقة الثمانين، ما لم تكن النتيجة ضد الفريق.
- الدفع بلاعب وسط دفاعي إضافي عند التقدم بهدف، حتى لو كان المنافس أضعف على الورق.
- متابعة نتيجة المباراة الموازية لحظة بلحظة عبر الجهاز الفني على الخط.
- إراحة اللاعبين المهددين بالإيقاف قبلها بجولة، لضمان حضورهم في المباراة الحاسمة.
لكن للصيغة وجهًا ممتعًا للجمهور. بدلًا من موسم يفقد معناه لنصف الفرق في يناير، يحصل المشجع على نهائي مبكر في كل ملعب تقريبًا خلال الجولة التاسعة عشرة. ومن يريد أن يفهم موسم الدوري المصري هذا العام، فعليه أن يراقب منطقة الخط في الخريف بالاهتمام نفسه الذي يمنحه لصراع القمة في الربيع، لأن ما يُحسم هناك يرسم شكل الموسم كله. فالبطل سيُتوَّج في النهاية كما جرت العادة، أما قصة الموسم الحقيقية فقد تُكتب في تسعين دقيقة بين فريقين لا يتصدران العناوين عادة. وربما يتذكر الجمهور بعد سنوات هدف البقاء في المجموعة العليا أكثر مما يتذكر هدف التتويج نفسه.

