«بنت البلاد».. طوني ماريني التي كتب المغرب حكايتها في ذاكرة الفن
لم تكتفِ الناقدة الفنية والمترجمة الإيطالية طوني ماريني بمتابعة التحولات التي عرفها الفن التشكيلي المغربي منذ ستينيات القرن الماضي، بل اختارت أن تكون قريبة من صانعيها، وأن تواكب تجاربهم من داخلها، في مرحلة كان فيها الفنانون يبحثون عن ملامح حداثة تعبر عن المجتمع المغربي وتتحرر من إرث الاستعمار الثقافي. وبعد عقود من العمل النقدي والتوثيقي والتربوي، عادت سيرتها إلى واجهة النقاش الثقافي في أصيلة، حيث اجتمع فنانون ومفكرون وباحثون لاستحضار إسهاماتها في تشكيل الوعي بالفن المغربي وتوثيق مساراته.
وشكلت ندوة «طوني ماريني والمشهد التشكيلي المغربي»، المنظمة ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الخريفية السابعة والأربعين، مناسبة لإعادة قراءة تجربة امرأة إيطالية تحولت علاقتها بالمغرب إلى ارتباط عميق بالثقافة والفن والإنسان، وأسهمت كتاباتها ومبادراتها في التعريف بتجارب تشكيلية مغربية ومواكبة التحولات التي عرفتها.
تجربة تشكلت بين الثقافات
ولدت ماريني في طوكيو سنة 1941، في أسرة ارتبطت بالبحث في الثقافات والتصوير والكتابة، قبل أن تقودها رحلتها إلى المغرب إلى الانخراط في الحياة الفنية والثقافية للبلاد. وخلال الفترة الممتدة بين 1963 و1986، نسجت علاقات وثيقة مع الفنانين والمثقفين، واشتغلت على قراءة التجربة التشكيلية المغربية انطلاقاً من خصوصياتها التاريخية والجمالية، بعيداً عن إخضاعها لمعايير جاهزة أو مقارنتها بصورة نمطية بالفن الغربي.
وفي قراءة لمسارها، رأى شرف الدين ماجدولين، الأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان ومنسق الندوة، أن أهمية ماريني لا تكمن في كونها اسماً أجنبياً حضر داخل المشهد المغربي، بل في اختيارها الانخراط في بيئة ثقافية مختلفة عن محيطها الأصلي، والتفاعل مع مرجعياتها ولغتها ورموزها.
واعتبر أن تجربتها ارتبطت بمرحلة مفصلية من تاريخ التشكيل المغربي، حين كان الانخراط في مشروع الحداثة الفنية يتطلب شجاعة فكرية وقدرة على تجاوز التصورات السائدة، في ظل تحديات سياسية وثقافية ومؤسساتية رافقت تشكل التجارب الجديدة.
قراءة الفن من داخله لا من خارجه
من جهته، استعرض حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، موقع ماريني ضمن الذاكرة المؤسسة للحركة الثقافية بالمدينة، مشيراً إلى أنها واكبت البدايات الأولى للمنتدى وأسهمت في تعزيز الصلات بين الفنانين والمثقفين من خلال حضورها النقدي والحواري.
وأوضح أن كتاباتها انطلقت من البحث عن المعاني الإنسانية التي تحملها الأعمال الفنية، ولم تتوقف عند وصف الأساليب أو تقييم العناصر الجمالية، بل سعت إلى فهم التجارب الفنية في سياقاتها الثقافية والاجتماعية.
كما منحها هذا التوجه دوراً يتجاوز النقد إلى التعريف بالتجارب الناشئة والدفاع عن أصحابها، مع اهتمام خاص بالفنانات ومكانة المرأة في المشهد التشكيلي المغربي.
وأشار البطيوي إلى أن ماريني بنت علاقاتها مع الوسط الفني على الثقة والتواصل المباشر، وحرصت على التعامل مع الفن المغربي باعتباره تجربة لها مقوماتها الخاصة، لا مجرد امتداد أو استثناء داخل تاريخ الفن الغربي.
واستعاد جانباً من ذكرياته معها عندما كان طفلاً يشارك في مرسم للأطفال أشرفت عليه، مستحضراً أسلوبها القائم على الصبر والاهتمام بالمواهب الصغيرة. ورأى أن ذلك الفضاء التربوي ترك أثره في عدد من الأطفال الذين أصبحوا لاحقاً جزءاً من الحركة التشكيلية في أصيلة والمغرب.
طنجة.. بداية الطريق نحو الحداثة الفنية
واستعاد الشاعر والروائي وعضو أكاديمية المملكة المغربية محمد الأشعري بدايات حضور ماريني في المغرب سنة 1963، حين جمعتها إحدى مقاهي طنجة بالفنانين محمد عطا الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي.
ولم يكن اللقاء، بحسب الأشعري، مجرد تعارف بين أسماء تنتمي إلى خلفيات مختلفة، بل جاء في سياق نقاشات كانت تتناول مستقبل الفن المعاصر، وحدود البنية الثقافية والإدارية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، وسبل بناء مشروع فني يستجيب للتحولات التي كان يعيشها المغرب.
واعتبر الأشعري أن ما يميز تجربة ماريني هو ابتعادها عن موقع المراقب الذي يكتفي بوصف ما يراه، مقابل مشاركتها في النقاشات والتجارب الجماعية ومواكبتها اليومية للفنانين. فقد جعلت من الإنصات وسيلة لفهم الآخر، ومن العلاقة الإنسانية مدخلاً إلى المعرفة.
وفي هذا السياق، استحضر مفهوم «ضيافة الآخر» لدى المفكر عبد الكبير الخطيبي، معتبراً أن ماريني قدمت مثالاً على إمكان بناء علاقة متوازنة بين الثقافات، قوامها المشاركة والاعتراف بالاختلاف، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
وربط الأشعري هذه التجربة بالأسئلة التي يطرحها واقع الفن اليوم، بعد رحيل عدد من الرواد وتغير آليات الإنتاج والعرض والتسويق، وما صاحب ذلك من تحولات في علاقة الفنان بالمؤسسات والجمهور. وأشار إلى أن استعادة التجربة التأسيسية تقتضي إعادة التفكير في الصلة بين أحلام البدايات وأسئلة الحاضر، واسترجاع الروح التي دفعت الفنانين الأوائل إلى اعتبار الإبداع وسيلة لتغيير المجتمع.
من الصداقة إلى كتابة تاريخ الفن
أما المفكر محمد نور الدين أفاية، عضو أكاديمية المملكة المغربية، فتناول تطور تجربة ماريني من العلاقات الشخصية التي ربطتها بالفنانين إلى الاشتغال البحثي الذي منح تلك العلاقات امتداداً معرفياً.
وأوضح أن احتكاكها بالمجتمع المغربي أتاح لها التعرف إلى تاريخه الفني ومتابعة التحولات التي عرفها، وهو ما انعكس في كتابات تفتح المجال لإعادة النظر في قضايا التراث والحداثة والتبادل الثقافي.
وتكتسب هذه الكتابات أهميتها، وفق أفاية، من محاولتها تجاوز القراءات التي تنظر إلى الثقافات غير الغربية من منظور استعماري، وتقديم مقاربة تنطلق من فهم التجربة المحلية وسياقاتها.
كما توقف عند وعي ماريني بحساسية موقعها بوصفها كاتبة غربية تتناول فناً تشكل داخل بيئة ثقافية أخرى، وما استلزمه ذلك من مراجعة مستمرة لأدواتها النقدية. وقد أسهم هذا الوعي في منح نصوصها قيمة توثيقية، إذ لم تعد الأعمال الفنية وحدها موضوعاً للقراءة، بل أصبحت مدخلاً لفهم المجتمع وتحولاته.
مشروع حداثي يستند إلى المرجعيات المغربية
وسلط الناقد والأكاديمي محمد رشدي الضوء على إسهامات ماريني في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، حيث تزامن حضورها مع تجارب فنية ارتبطت بأسماء مثل فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة.
وأوضح أن النقاش الذي واكب تلك المرحلة تمحور حول كيفية تأسيس حداثة فنية مغربية تستفيد من التجارب الجديدة من دون التخلي عن الذاكرة المحلية أو قطع الصلة بالموروث الثقافي والشعبي.
وفي هذا الإطار، دافعت ماريني عن أهمية تطوير لغة تشكيلية تستمد عناصرها من البيئة المغربية، بدلاً من الاكتفاء باستنساخ نماذج فنية وافدة. وقد أتاح لها انفتاحها على التجارب الجديدة متابعة تنوع التعبيرات الفنية، مع الحرص على تسجيل تفاصيلها وتحليل سياقاتها.
واعتبر رشدي أن التوثيق الدقيق والوضوح في الكتابة والانفتاح على التحولات الفنية تشكل عناصر أساسية في قيمة منجزها النقدي، خصوصاً في ما يتعلق بقراءة التجارب التي أسهمت في رسم ملامح الفن المغربي الحديث.
أسئلة المعرفة والذات والآخر
ومن منظور فكري وجمالي، قدم الباحث عبد الرحيم كمال قراءة في الأسس التي قامت عليها مقاربة ماريني للفن، مشيراً إلى أنها اعتمدت رفض التصورات الإثنولوجية الغربية التي تختزل الثقافات الأخرى في قوالب جاهزة.
كما أبرز أهمية المراجعة النقدية للذات في مشروعها، من خلال إعادة النظر في موقع الباحث أمام الثقافة التي يدرسها، بما يحد من سلطة الأحكام المسبقة ويفتح المجال أمام فهم أكثر تعقيداً للاختلاف.
وتناول كمال أيضاً اهتمام ماريني بالمعاني التي تتجاوز التقنيات والوسائل المستخدمة في العمل الفني، سعياً إلى استكشاف الخلفيات الفكرية والرمزية التي تمنح الأشكال دلالاتها. وبهذا، لم تنحصر مقاربتها في قراءة ما يظهر على سطح العمل، بل امتدت إلى الشروط الثقافية والإنسانية التي أسهمت في إنتاجه.
حين يغادر الفن قاعات العرض
وتناولت شهادة الطبيب النفسي عبد الله زيوزيو جانباً آخر من اهتمامات ماريني، يرتبط بإمكان توظيف الفن في خدمة الإنسان داخل الفضاءات العلاجية.
واستعاد تجربته المشتركة معها في محاولة إدخال الفن إلى مستشفى الأمراض العقلية بمدينة برشيد، في مشروع استهدف تحسين البيئة الاستشفائية ومنح الممارسة الفنية حضوراً في فضاء يحتاج إلى مقاربات إنسانية تتجاوز الجوانب الطبية وحدها.
ورأى زيوزيو أن تجربة ماريني لا يمكن حصرها في النقد الفني، بالنظر إلى جمعها بين البحث الميداني والتوثيق والاهتمام بالأبعاد الأنثروبولوجية والروحية للفن.
وتكشف هذه التجربة عن تصور أوسع لدور الإبداع، بوصفه وسيلة للتواصل والتعبير وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وليس نشاطاً محصوراً في المرسم أو المتحف.
شهادات تكشف وجوهاً متعددة لمسارها
وتوزعت المداخلات الأخرى بين قراءة أعمال ماريني واستعادة حضورها داخل المؤسسات الفنية، وبين شهادات شخصية سلطت الضوء على علاقاتها بالطلاب والفنانين والمثقفين.
فقد تناولت سليمة العيساوي، منظمة المعارض بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، عوالم ماريني من خلال روايتها «مقبرة الأبرياء»، بينما استعاد الفنان عبد الله الحريري تجربته معها في مدرسة الفنون الجميلة، مشيداً بإسهامها في تأطير الطلاب وتعريفهم بالثقافة البصرية المغربية، إلى جانب صلتها بمجلة «أنفاس» وما اتسمت به من انفتاح إنساني.
واختار أحمد مجيدو، الأكاديمي ومنظم المعارض والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، عنوان «طوني ماريني: عناية تاريخية» لمداخلته، متناولاً دورها في قراءة تجربة مدرسة الدار البيضاء وربط مراحلها المختلفة من خلال كتابات تجمع بين التحليل والتوثيق.
كما توقف عند الأسئلة التي أثارتها ماريني بشأن الهوية والحداثة والتجريب، وعلاقتها بالرواد الذين أسهموا في تشكيل ملامح الحركة التشكيلية المغربية.
«الشاي الأخير في مراكش».. المغرب في مرآة الاكتشاف
وفي مداخلته المعنونة «طوني ماريني رفيقة الفن وأسئلته»، تحدث الناقد والفنان التشكيلي بنيونس عميروش عن دوافع ترجمته كتاباً لها صدر عن دار «الفنك»، مستحضراً أفكاراً من مؤلفها الرحلي «الشاي الأخير في مراكش».
وتوقف عند مقطع تتحدث فيه ماريني عن سعيها إلى فهم المغرب من خلال الاستعداد لقبول فرضيات معرفية مختلفة، معتبرة أن لقاء الإنسان بثقافة أخرى قد يتحول إلى فرصة لاكتشاف جوانب من ذاته لم يكن يعرفها من قبل.
ويعكس هذا التصور طبيعة العلاقة التي بنتها ماريني مع المغرب، إذ لم تنظر إليه باعتباره موضوعاً ثابتاً للدراسة، وإنما تجربة مفتوحة على الأسئلة والتحولات، تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والهوية، وبين ما نعرفه عن الآخر وما نكتشفه عن أنفسنا من خلاله.
«أنا بنت البلاد».. شهادة على انتماء يتجاوز الجغرافيا
واختتمت شهادة موجة ماريني – المليحي، الكاتبة والمخرجة والمنتجة، جانباً من استعادة المسار الإنساني للناقدة الإيطالية، من خلال ذكريات عائلية ارتبطت بأصيلة وبالأوساط الفنية والثقافية التي احتضنتها.
وتحدثت موجة عن والدتها ووالدها الفنان محمد المليحي باعتبارهما شريكين في رحلة اكتشاف العالم، مستعيدة طفولتها بين عدد من الكتاب والفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمدينة. كما روت موقفاً جمعها بالروائي محمد شكري، الذي أخبرها بأن لديها أماً استثنائية، وتوقفت عند وصف عبد الكبير الخطيبي لماريني بأنها «امرأة من رأس وقلب».
لكن أكثر ما اختصر علاقتها بأصيلة وأهلها، بحسب شهادتها، كان ارتباطها بالأطفال وحرصها على البقاء قريبة من الحياة اليومية للمدينة، بعيداً عن صورة الزائرة التي تمر بالمكان من دون أن تنتمي إليه وجدانياً.
فحين كان البعض يتعامل معها كسائحة، كانت ترد بالدارجة المغربية: «أنا بنت البلاد»، عبارة تلخص علاقة صنعتها سنوات من الصداقة والعمل والمشاركة، وأصبحت فيها الهوية تجربة معاشة لا مجرد انتماء جغرافي.
وتكشف الشهادات التي احتضنتها أصيلة عن مسار تجاوز حدود الكتابة النقدية إلى الإسهام في التربية الفنية والتوثيق وبناء العلاقات بين الثقافات. كما تعيد طرح سؤال أساسي حول كيفية كتابة تاريخ الفن المغربي، ليس فقط من خلال الأعمال والمدارس الفنية، بل أيضاً عبر الأشخاص الذين رافقوا تحولاته، وأنصتوا إلى رواده، وأسهموا في حفظ ذاكرتهم للأجيال المقبلة

