جريدة الطريق

رئيس مجلس الإدارة مدحت بركات

  • WE
الخميس 23 يناير 2020 01:23 صـ 26 جمادى أول 1441هـ

'في مواجهة النوستالجيا'.. الدجاج يلتقط الحبات الصغيرة

جريدة الطريق
السينما ليست حظيرة، سماء ممتدة، سماوات مفتوحة، عالم مختلط بتراكيب معقدة، مواءمات محبوكة، لمعان وخفوت، صعود وانخفاض، اتساع يضيق، ومساحات ضيقة تُنتزع، أحيانا لا تعترف بالحسابات، لكنها مطلوبة وحتمية، فالموهبة تحتاج لحمايتها إن لم يُفسح لها الطريق، تتطلب التخطيط والإدارة والإرادة، وقد تضيع وتُضيّع صاحبها، فهي تمنحك نفسها، وتهلك من لا يصونها. 
الفنان كالدجاج، يلتقط الحبات الصغيرة، ينمو، ينتفخ، يزهو بريشه، يلفت الأنظار بكأكأت تضفي ونس يشغل الأمكنة. يقفز ويطير انخفاضا وصعودا"أنا هنا، انتبهوا". 
قبل سنوات قليلة، لف الجمهور للوراء، غمرته النوستالجيا بفنانيها وشجنها اللذيذ، بأبنية الأزمان الكلاسيكية وأردية الناس، وأحاديثهم، وأنماط معيشتهم. 
في غمرة هذه الالتفاتة، ومحاولات عض الأنامل على رحيل قامات فنية مخضرمة، تركت وراءها فراغا واضحا، أطل علينا فنانين شباب لمَّحوا إلى أن محاولات النظر للماضي قد لا تجدي، مضعية للنفس والوقت، ظالمة "نحن هنا"، محمد ممدوح، أسماء أبو اليزيد، محمد فراج، أحمد داوود، بدأوا بخطوات ثابتة، يلتقطون الأدوار، الحبات الصغيرة، المساحات المحدودة، على شاشة السينما والدراما، وكأكأو على خشبات المسارح في عروض قليلة. 
لا شك أن لكل منهم كأكأته وصياحه الخاص الذي يميزه، محمد ممدوح له صياح متنوع، يقدم الشخص المريض نفسيا، الضابط الفاسد، يقدم اللون الكوميدي، الميلودراما، كذلك "فراج" يبهرنا في مسلسل أهو ده اللي صار بكل خفة، دون أن تشعر ولو لحظة واحدة أنه يمثل، يعايش الشخصية، يمسك بكل تفاصيلها وخيوطها،  أما أسماء أبو اليزيد، الدجاجة الملونة، ترقص وتغني مع فرقة "بهججة" وتقدم فن المونولوج بكل خفة ظل ورشاقة، وبصوت راقص، ثم تقدم شخصيات متنوعة في أعمالها الدرامية، الفتاة الصعيدية، الفتاة البدوية، فتاة رقيقة مغلوب على أمرها، تضحك معها تارة وتحزن تارة أخرى، تعرف أن الفنان لا يعيش بجلد واحد، يُطلب منه التلون والتنوع، يقتله الثبات، لم يختلف أحمد داوود عن ثلاثتهم، يخطو بثبات، ينتقل من الدور للآخر، يخرج من الشخصية للأخرى بسلاسة، بخطوات ثابتة ومحسوبة، يقدم أدوارا نفسيه بحرفية جيدة، تندمج معها، تدخل دائرتها، لا تنفصل، تتورط وتتعاطف معها.
يصر كل منهم على أن يقدم أدوارا جيدة، متنوعة، مختلفة عن سابقها، لا يكرر نفسه. 
الأربعة أمثلة جيدة لسحب الجمهور من دائرة النوستالجيا، القديم والكلاسكية، بالإضافة لوجود فنانين آخرين مجايلين، والأمثلة كثيرة ومتعددة، صبري فواز، حنان مطاوع، منة شلبي، هند صبري، أحمد الفيشاوي، سوسن بدر، ماجد الكدواني، كريم عبد العزيز، خالد الصاوي، عمرو واكد، السقا، هنيدي، وغيرهم. 
بقي أن تتسع لهم الدائرة للكأكأة والصياح، الطيران والتحليق، وفرة الحبات الصغيرة والحرية في التقاطها، اتساع المساحات، تقديم الجيد على الرث، تعدد الأصوات، النقد بلا مواربة أو تفضيل وتحبيذ للمصالح بتربيطات النقاد والمحسوبيات، بقي أن نوفر الحبات الصغيرة لهذا الجيل كي يلتقطها بمزاجه ووعيه دون توجيه أو وضعهم في دائرة تسحبهم للوراء وهم مكتوفي الأيدي، وتسيطر النوستالحيا كمعطى حقيقي يحل محل الحاضر، فوجوده ضروري فقط لنعي ونفهم كي نساير الزمن ونتفادى حفره وأخطاؤنا، لا أن نسكن زمنا ولى، يستحيل المكوث فيه. 
الطريق