الطريق
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 04:23 مـ 9 جمادى أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
النائب محمد نصر الأسيوطي: منتدى مصر منصة مهمة لطرح رؤى مبتكرة لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية المستدامة جودي محمد تحصد فضية البطولة الأفريقية للدراجات في كينيا الـ5000 دولار قربت؟.. دانيال البنا: قفزات قياسية للمعدن الأصفر بحلول منتصف 2027|فيديو قيادي بحماة الوطن: تهديدات سموتريتش باحتلال سيناء عبثية ومرفوضة.. وأرض مصر خط أحمر لن يسمح بالمساس به النائب أحمد حافظ: سيناء خط أحمر.. ومصر لن تسمح بفرض أي معادلات تمس أمنها القومي قناة السويس تبحث التعاون مع الخط الملاحي Hapag-Lloyd بقطاع جنوب أوروبا وزيادة معدلات العبور النائب سعيد العماري: سيناء خط أحمر.. والسيادة المصرية ليست محلًا للتهديد أو المساومة العربي الناصري: تصريحات سموتريتش بشأن سيناء تكشف استمرار نهج التهديد والتوسع الإسرائيلي.. وسيناء لا تقبل المساس اشتعال المنافسة على منصب العمدة بقرية بوق في القوصية.. ومحمود عبدالغني بين 5 مرشحين النائبة جيلان أحمد: منتدى مصر 2026 منصة لصناعة الوعي الوطني وتمكين الشباب في مواجهة تحديات المستقبل محمد بلتاجي للحكومة الإسرائيلية: إما إقالة سموتريتش أو تحمل مسؤولية تهديداته.. ومصر تملك الرد المناسب 250 شركة ناشئة.. رأفت هندي: 200 ألف فرصة عمل في الاتصالات بحلول 2030|فيديو

شحاتة زكريا يكتب: من قلب النيل.. تتحدث الحضارة من جديد

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

من قلب النيل من تلك الأرض التي حفظت سرّ الخلود منذ آلاف السنين تتحدث الحضارة من جديد ، لا بلسان الماضي وحده بل بصوت الحاضر والمستقبل معا. فمصر — التي كانت مهدا للتاريخ ومصنعا للدهشة — تعود اليوم لتكتب فصلا جديدا من كتابها الأبدي فصلا عنوانه “النهضة التي لا تعرف الغروب”.

ليس افتتاح المتحف المصري الكبير مجرد حدث أثري أو ثقافي بل هو إعلان رسمي بأن مصر استعادت زمام الرواية وأن صوتها الحضاري لا يزال قادرا على أن يُلهم العالم. فمن هنا، من ضفاف النيل خرجت أول فكرة للبناء والتنظيم والإبداع وهنا أيضا تعود الفكرة لتكتمل في أبهى صورها بهندسة معمارية تُعانق الشمس، وتكنولوجيا تحفظ الذاكرة ورسالة تقول: إن الماضي لا يموت ما دام في أرضه من يُعيد إليه الحياة.

المتحف المصري الكبير ليس مجرد جدران تحتضن الآثار بل هو مرآة لروح مصر ذاتها؛ روح تعرف كيف تجمع بين الطين والضوء بين الأصالة والحداثة ، بين الحجارة التي صنعت التاريخ والعقول التي تصنع المستقبل. ففي كل زاوية من هذا الصرح تتردد أنفاس الأجداد وفي كل لمسة تصميم ينبض فكرُ الأحفاد الذين تعلموا كيف يُترجمون الاحترام للتاريخ إلى هندسة وروعة وإبهار.

لقد أرادت مصر أن تُخاطب العالم بلغة لا تحتاج إلى ترجمة لغة الجمال. فهنا تلتقي الفكرة الإنسانية الكبرى: أن الحضارة ليست حكاية تُروى بل مسؤولية تُبنى. لذلك فإن المتحف المصري الكبير ليس فقط هدية مصر للعالم بل درسها الأهم: أن الأمم العظيمة لا تكتفي بأن تتباهى بماضيها بل تُعيد تشكيله ليكون بوابة إلى غدٍ يليق بتاريخها.

من يقف أمام الهرم الأكبر ثم يُطلّ ببصره نحو المتحف الجديد سيشعر أنه يشاهد مشهدًا من الزمن نفسه كأن الأجداد عادوا ليصافحوا الأحفاد وكأن التاريخ مدّ يده للحاضر في لحظة تصالح مهيبة بين الحجر والحداثة. هنا لا تتعارض التكنولوجيا مع العراقة ولا يطغى الزجاج على الحجارة بل يتجاوران في تناغم مدهش يصنع مشهدًا من العبقرية المصرية التي لم تنطفئ يومًا.

لقد نجحت مصر مرة أخرى في أن تُدهش العالم. فحين اختارت أن تُقيم المتحف على بُعد خطوات من الأهرامات فإنها لم تكن تبحث عن المشهد الجغرافي بل عن الرمزية؛ رمزية الامتداد حيث تتصل العصور وتتحدث الحجارة لغة واحدة رغم اختلاف الأزمنة. إنها فكرة أن مصر لا تبدأ من جديد، لأنها لم تتوقف أصلًا.

إن العالم الذي يتطلع اليوم إلى هذا الافتتاح المبهر يدرك أن مصر لم تعد تكتفي بالاحتفاظ بتراثها بل صارت تصدّره من جديد ليس كذكرى بل كقوة ناعمة تحمل رسائل الأمن والسلام والإنسانية. ففي وقتٍ تمزّق فيه الصراعات وجه الكوكب، تأتي مصر لتقدّم نموذجا آخر: أن القوة ليست في السلاح بل في الثقافة وأن البقاء ليس للأقوى بل للأعمق جذورا.

ولعل أجمل ما في هذا الإنجاز أنه لم يكن من صنع مؤسسة أو حكومة وحدها بل هو ثمرة جهد جماعي امتد عبر سنوات شارك فيه مهندسون، وعلماء، وعمال، وفنانون، ومبدعون من كل التخصصات. إنه عمل جماعيّ بحجم مصر يعيد إلينا الإحساس بأننا أمام مشروع وطني يتجاوز حدود الأثر إلى جوهر الفكرة: أن نُعيد للعالم احترامه لمعنى صُنّاع الحضارة.

اليوم تتحدث الحضارة من جديد، لا بلغات الماضي بل بصوت مصري معاصر يعرف كيف يجمع بين جذور طيبة وعقول ناضجة ورؤية تمتد نحو المستقبل بثقة وإيمان. وإذا كان المتحف المصري الكبير هو واجهة مصر الجديدة فإن الرسالة التي يرسلها إلى العالم أوسع من الجدران والزخارف: أن مصر لا تزال القلب النابض للحضارة الإنسانية.

وفي لحظة مهيبة كهذه يمكننا أن نقول بصدق: إن النيل لم يكن نهرا للماء فقط بل نهرا للمعنى يواصل تدفقه من عهد الفراعنة إلى عهد الإنسان الحديث. ومن قلب النيل تتحدث الحضارة من جديد لتقول للعالم إن في مصر سرا لا يُكتب بالحروف بل يُقرأ بالبصيرة سرًّا اسمه الخلود.