تحقيقات

حكومة الرئيس”.. أو الذهاب لانتخابات جديدة..سيناريوهان كلاهما صعب للخروج من الأزمة السياسية التونسية

الشعب التونسي
الشعب التونسي

تعيش تونس حاليا على وقع أزمة سياسية صعبة ، تبدو مفتوحة على سيناريوهات عديدة بعد أن أعاد رفض مجلس النواب (البرلمان) منح الثقة لحكومة الكفاءات التي قدمها رئيس الوزراء المكلف الحبيب الجملي ، المشهد السياسي في البلاد إلى المربع الأول ، وجاء ذلك في وقت تواجه فيه البلاد أوضاعا وتحديات اقتصادية واجتماعية صعبة كانت تتطلب تشكيل حكومة قوية ومتجانسة في أقرب وقت ممكن للبدء في التعامل مع هذه الأزمات والبحث عن حلول لها.
وفي بيان يعكس أجواء الأزمة السياسية والدستورية التي تعيشها تونس في الوقت الراهن ، طالبت الرئاسة التونسية الأحزاب والكتل البرلمانية بأن تقوم في أسرع وقت ممكن بتقديم أسماء بديلة لرئيس الوزراء المكلف الحبيب الجملي لكي يتولى أحدها مهام تشكيل حكومة جديدة.
وحث البيان ، الذي صدر مساء أمس الأثنين ، الكتل السياسية على تقديم مقترحاتها في هذا الشأن في أسرع وقت وبما لا يتجاوز يوم الخميس 16 يناير الجاري لإتاحة مدة كافية لمزيد من المشاورات مع رئيس الجمهورية للتوصل إلى قرار بشأن الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة الجديدة ، وذلك خلال المهلة الدستورية المحددة.
وكان مجلس النواب التونسي وبعد مناقشات ساخنة استمرت نحو 12 ساعة ، قد رفض خلال جلسته الخاصة التي عقدها يوم الجمعة الماضي منح الثقة لحكومة الكفاءات التي قدمها الحبيب الجملي ، وجاء رفض البرلمان للتشكيلة الحكومية بتصويت 134 نائبا ضدها من أصل 217 نائبا.
وبينما أعاد هذا الموقف من جانب البرلمان ، الوضع السياسي في البلاد إلى نقطة الصفر فيما يخص المفاوضات والمشاورات بين الأحزاب والكتل النيابية التونسية للتوصل لاسم بديل لتولي تشكيل الحكومة وصولا إلى عرضها على البرلمان لنيل الثقة فإن مسار الخروج من الأزمة السياسية الحالية يبدو أمام احتمالين لا ثالث لهما : أولهما اللجوء لخيار ما تسميه الأوساط السياسية التونسية ب"حكومة الرئيس "، وهو الخيار الذي دعت إليه أحزاب وشخصيات سياسية عديدة منذ البداية وذلك كحل للمأزق الحالي في ظل فشل الكتل النيابية في التوافق فيما بينها على تشكيل حكومة ائتلافية وعلى ضوء التشكيلة الحالية لمجلس النواب وهي تشكيلة تبدو منقسمة ومشتتة وليس بها أغلبية وازنة تستطيع بمفردها تشكيل الحكومة.
لكن حركة النهضة ، وهي الحزب الفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان (52 مقعدا) ، رفضت هذا السيناريو منذ البداية وأكدت على حقها الدستوري في تشكيل الحكومة باعتبارها الحزب صاحب الكتلة النيابية الأكبر.
وقد عاد هذا السيناريو ليطرح مجددا بقوة عقب فشل حكومة الحبيب الجملي في الحصول على ثقة البرلمان حيث توجهت أنظار الأوساط السياسية إلى الرئيس قيس سعيد ليقوم باختيار شخصية "وطنية" لتشكيل الحكومة بدلا عن الحزب الفائز بالمركز الأول في الانتخابات التشريعية الأخيرة ، وهو حركة النهضة وفي حالة اللجوء لهذا الحل فإن رئيس الجمهورية سيلعب دور الحكم بين مختلف الفرقاء السياسيين من الأحزاب والكتل البرلمانية التي فشلت في التوافق فيما بينها على تشكيل ائتلاف حكومي.
غير أن خبراء دستوريين تونسيين اعتبروا أن مصطلح "حكومة الرئيس" تعبير خاطئ دستورياً، حيث إن حكومة الرئيس لا تكون إلا في ظل نظام رئاسي وتقوم أساساً على تولي رئيس الجمهورية اختيار رئيس الحكومة وأعضائها أيضاً ، وهو ما لا ينطبق على النظام السياسي الحالي في تونس ، حيث يحق لرئيس الجمهورية اختيار رئيس الحكومة فقط.
لكن المؤيدين لهذا الخيار يعتبرون أن رئيس الجمهورية قيس سعيد مؤهل تماما للقيام بهذا الدور باعتباره شخصية مستقلة من ناحية وأنه لا انتماء سياسيا له وليست لديه كتلة برلمانية من جهة أخرى إلا ذلك لا يعني أن خيار "حكومة الرئيس" يبدو حلا سهلا بل دونه صعوبات عديدة إذ يتوجب علي الرئيس التونسي أن يختار مرشحا يحظى بقبول مختلف القوى السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة وأن يكون هذا الشخص قادرا على الحصول على ثقة مجلس النواب الشعب في حكومته المرتقبة لأنه في حال فشل مرشح الرئيس في هذا المسعى ، فإن تونس ستدخل في أزمة سياسية جديدة وهو ما سيقود إلى الاحتمال الثاني في مسار الأزمة الحالية.
ويتمثل هذا الاحتمال في الذهاب لانتخابات تشريعية جديدة كخيار أخير للخروج من الأزمة السياسية الحالية، وذلك وفقا لنصوص الدستور التونسي ، وينص الدستور التونسي في الفصل 89 على أنه في حال انتهاء المهلة المقررة للحزب الفائز بالأغلبية لتشكيل الحكومة دون التوصل لتشكيلة أو في حال عدم حصول الحكومة على ثقة البرلمان يقوم رئيس الجمهورية خلال عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر ، بتشكيل الحكومة خلال مهلة شهر واحد ويمكن أن تمدد تلك المهلة لشهر آخر.
وفي حالة الفشل مرة أخرى في تشكيل حكومة، فإنه لن يكون هناك وفقا للدستور خيار آخر سوى أن يصدر الرئيس قرارا بحل البرلمان ويدعو إلى انتخابات تشريعية جديدة خلال مهلة أقصاها 90 يوما.
لكن ثمة انقساما واضحا في صفوف التونسيين بين مؤيد ومتخوف من سيناريو الذهاب لانتخابات تشريعية جديدة وتداعياته على المشهد السياسي في البلاد ، إذ يبدى المعارضون لذلك مخاوفهم من أن تعيد هذه الانتخابات إنتاج الأزمة بدلا من حلها ، لا سيما في ظل الخريطة السياسية والحزبية الحالية في البلاد وغياب أي ضمانات بألا تفرز الانتخابات الجديدة نفس التشكيلة البرلمانية المتنافرة والمتصارعة ،والتي أدخلت البلاد في الأزمة الراهنة.
في المقابل يرى المؤيدون للذهاب لانتخابات تشريعية جديدة، أنها الحل الأخير الذي لابد منه للخروج بالبلاد من الأزمة الحالية ، حيث يمكن أن تفرز هذه الانتخابات خريطة برلمانية جديدة وكتلا نيابية كبيرة قادرة على تشكيل الحكومة الجديدة بسهولة ،ومن ثم الحكم لخمس سنوات قادمة سن وإصدار التشريعات التي تحتاجها البلاد بشكل عاجل للتعامل مع أزماتها.
وفضلا عن التكاليف المالية الكبيرة التي ستتكبدها تونس واقتصادها المأزوم ؛بسبب إجراء انتخابات تشريعية جديدة ، يرى بعض المحللين والمراقبين السياسيين أن المشكلة الأخرى في اللجوء لهذا الخيار كحل أخير للأزمة الحالية ، هي أن تونس ستبقى لفترة طويلة قادمة بدون حكومة قوية ومستقرة وقادرة على التعامل مع المشاكل الملحة ، لحين إجراء الانتخابات وإعلان النتائج والبدء في مشاورات تشكيل حكومة جديدة وعرضها على البرلمان الجديد ، وكلها إجراءات تستغرق وقتا طويلا ، لا تملك تونس رفاهية إضاعته.
كما أن ذلك سيعني استمرار إدارة وتسيير شؤون البلاد من خلال حكومة تصريف أعمال ،وهي عادة تكون حكومة ضعيفة لا تملك القدرة ولا الصلاحيات التي تمكنها من اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن الملفات المهمة ، وهذا ما سينعكس سلبا على أوضاع تونس الداخلية ، فضلا عن علاقاتها الخارجية وخصوصا مع شركائها الاقتصاديين الذين قد تهتز ثقتهم في قدرة النخبة السياسية الحالية على الخروج بالبلاد من أزماتها ومشاكلها الصعبة والملحة.

 

الشعب التونسي خارجي الطريق أزمة سياسية صعبة سيناريوهات عديدة مجلس النواب