ثقافة وإبداع

قراءة في ”الجلطة التي أنارت بصيرتي”

جريدة الطريق

نضبط المنبه قبل النوم بعادية شديدة، على يقين أننا سنستيقظ بنفس الحال التي كنا عليها بالأمس، لا نتصور أبدا أن صوت المنبه يمكن أن يتجاوز كونه مزعجا لنومنا إلى صوت مؤلم ولا يحتمل، ولا يمكننا أن نتخيل أن الكلمات العادية التي نرددها على مدار سنوات عمرنا مثل (أنا.. اسمي..) يمكن أن تمحى فجأة فنكون موجودين وغائبين في الوقت نفسه.
في هذا الكتاب البديع (الجلطة التي أنارت بصيرتي) تحكي المختصة في علم التشريح العصبي جيل تيلور بلغة شديدة العذوبة (باستثناء الجزء العلمي) تجربتها الخاصة خلال إصابتها بالجلطة في الفص الأيسر من المخ، تحكي عن تلك اللحظة التي استيقظت فيها من النوم على ألم شديد، وبينما كان المنبه يرن بعادية، وبينما حاولت أن تغادر الفراش وتقوم بالطقوص الصباحية المعتادة، كانت الدماء تغمر تدريجيا الفص الأيسر فتتراجع بالتدريج قدرتها على الحركة، على التذكر، على القيام بأبسط الأشياء كالإمساك بسماعة الهاتف وطلب المساعدة.
محت الدماء التي تدفقت (حرفيا) كل ما تعلمته تيلور طوال حياتها، فعادت طفلة في السابعة والثلاثين من عمرها، تتعلم من جديد الحروف، وتتعجب من والدتها، التي رافقتها في رحلة شفائها، وهي تعلمها نطق حرف ال s، بينما تيلور تراه مجرد خط منثني ولا يصدر عنه أي صوت، وهكذا بعد كل ما تعلمته عن المخ، عادت طفلة من جديد تتعلم الحروف، وكيف تتشابك معا لتكون كلمة تبذل تيلور جهدا لتفهم معناها!
كان كل شيء صعبا في مرحلة التشافي التي استغرقت ثماني سنوات، إعادة تعلم كل شيء من البداية، المشي، القراءة، الكلام، إدراك الذات، التي تتطلب إدراكها وحدها ثماني سنوات.
من أجمل المقاطع في الكتاب تلك التي تحدثت فيها تيلور بطريقة علمية بسيطة عن دور الفص الأيسر في إدراكنا لذاتنا كذات منفصلة (ذات ترى نفسها منفردة عن الآخرين)، ودوره أيضا في شعورنا بحدود أجسادنا المادية، وحدود أجسام الآخرين، وترتيبه للزمن بين ماضي وحاضر ومستقبل، وقبل وبعد، بينما الزمن في الفص الأيمن هو اللحظة الحالية، والحدود المادية غير موجودة، وبالتالي تصبح الذات جزءًا غير منفصل عن الكون، أو كما وصفت تيلور شعورها بأنها كانت تحس بعد إصابتها بأنها كينونة سائلة وجزء مما حولها، وعندما تعافت في السنة الثامنة عاد لها شعورها بإدراك الذات فصارت تشعر من جديد بأنها كينونة صلبة، وذات لها وجودها المنفصل عما حولها، فتبدو التجربة رغم صعوبتها وكأنها تجربة روحية، رحلة للفص الأيمن بكل سكونه، لا يعود منها الشخص أبدا كما كان في السابق، ولا يتطلب الأمر حدوث عطب للفص الأيسر أو للقدرات الحركية أو غير ذلك من قدرات، بل يمكن الذهاب لهذا الفص طواعية لبعض الوقت (مثلما يحدث في حالة التأمل حين ينجح الشخص في إيقاف ثرثرة عقله القادمة من فصه الأيسر).
تبدو تجربة تيلور صعبة، ويبدو اسم الكتاب مخيفا خاصة لأولئك الذين مروا بتجربة فقد أحد أحبائهم بسبب الجلطة، فربما يشعرون بالذنب ويفكرون بأنهم كان من الممكن أن يغيروا أي شيء لو فهموا أن عليهم الإسراع فقط في الذهاب للمستشفى، لكن هذا لن يغير أي شيء، فالماضي لا يعود، وهذا ما تعلمنا إياه تيلور من خلال تجربتها، كل ما يمكن فعله أن نقرأ كتابا مثل هذا ونتعلم في كل مرة نضبط فيها المنبه أن نكون ممتنين لأننا قادرون على القيام بذلك.

للتواصل مع الكاتبة

نهلة كرم الجلطة التي أنارت بصيرتي