أيمن رفعت المحجوب يكتب: الدخل النقدي خدعة (١)

كنت قد تحدثت في مقالات سابقه عن ما يعرف "بالوضع المالي المحايد" أو على التغيرات التي تحدث في دخول المنتجين، وفي حدود هذا المعنى انتهيت الى ان هذا الوضع المالي ، بأنه الوضع الذي لا تؤدى فيه الضرائب والنفقات العامة إلي اي تغيير يذكر في دخول المنتجين (مقدرة بالنقود).
وعليه وجدت أنه من المناسب أن إفراد هذا المقال لشرح مضمون "تغيرات الدخول"، وهل المقصود بها الدخول النقدية أم الدخول الحقيقية؟ وحتى يمكننا أن نحدد المعنى المقصود، يجب أن ننبه إلى أن المهم، ونحن ندرس توزيع الدخل القومي في مصر، ليست الدخول النقدية بل الحقيقية.
وعليه نخلص، ونظراً لأهمية الدخول الحقيقية في تحديد كيفية توزيع الدخل القومي ، إلى أن الدخول الحقيقية تتذوق ( سواء للفرد أو للجماعة ) على ثلاثة عناصر وهي أولاً:
دخول الأفراد بعد دفع الضرائب
ثانياً
المنافع التي يحصل كل فرد من أفراد المجتمع من النفقات العامة.
ثالثاً
المستوى العام للأثمان، أي القوة الشرائية للنقود ( بما في ذلك من اثر الضرائب وأثر النفقات العامة).
وذلك حتى يمكننا أن نصل الى الوضع النهائي للدخل الحقيقي لأي فرد ، وهل طرأت عليه تغيرات أم لا، يلزم إذن أن نرد حسابنا للتغيرات التي حدثت في الثلاثة عناصر سابقة الذكر وعلى ذلك فإن الذي يدخل في حسابه الأثار التضخمية أو الانكماشية، التي تترتب على الأدوات المالية المستخدمة وأثرها في تلك العناصر الثلاثة، يعتبر أكثر كمالاً من المعنى الضيق للحياد المالي الذي يسقط من حسابه تلك العناصر.
ويعود تعريف "التوزيع الأوليّ للدخل القومي " بعد ادخال العناصر الثلاثة ، على ما قد يحدث من تغيرات في دخول الأفراد ( أو الفئات ) ، على أساس الموازنة بين ما يدفعه الفرد من ضرائب وبين قيمة المنافع التي عادت عليه من النفقات العامة.
وعلى ذلك يمكن أن نعرف التوزيع الأوليّ للدخول بأن الوضع الذي تعود فيه منافع النفقات العامة التي يحصل عليها أي فرد ، ما يدفعه من الضرائب.
وبهذا المعنى لا نكون بحاجة الى "إعادة توزيع للدخل القومي" إذاً تلقى الممول (أي دافع الضرائب) منافع من النفقات العامة مساوية تماماً في قيمتها النقدية للمبلغ الذي دفعه من ضرائب للدولة، وهو ما لا يمكن قياسه عملاً الى جانب استحالة حدوثه.
اضف الى ذلك أنه قد يختلف التوزيع النهائي عن التوزيع الأوليّ عن طريق تدخل الدولة على ما تقدم من بيانه، كما قد تختلف عن طريق ارادي ، يعود الى ما يقدمه الفرد من هبات وتأمينات الى الدولة.
هذا واذا ما أسقطنا الفروق بين التوزيع الأوليّ والتوزيع النهائي التي تعود الى غير الأدوات المالية ، وجدنا أن التعديلات التي تدخل على التوزيع الأولي تتم عن طريقين وهما الأعباء العامة (الضرائب والأثار التضخمية) التي تخفض الدخول النقدية (أو الدخول الحقيقية أذا ما أدخلنا في الحساب الأثار التضخمية) وعلى الجانب الاخر المنافع المترتبة على الانفاق العام والتي تؤدي الى زيادة الدخول النقدية في حالة التحويلات النقدية أو الى زيادة الدخول العينية في حالة التحويلات العينية.
وبعد أن حددنا معنى " التوزيع الأوليّ " ، وعرفنا "إعادة التوزيع " بأنها الفرق بين التوزيع النهائي(دخول المستهلكين) والتوزيع الأوليّ ( دخول المنتجين) ، ننبه أي وضع للسياسة الاقتصادية وخاصة المالية منها ، أن يأخذ في الاعتبار أثر استخدام الأدوات المالية من خلال ما تحدثه من تقلبات في الثلاث عناصر المحددة للتغيرات التي تطرأ على الدخول الحقيقية لأفراد المجتمع وليس الدخول النقدية.
وذلك لأن التغيرات التي تحدث في الدخول النقدية لا تشكل المقياس الحقيقي لعدالة توزيع الدخل القومي وتعكس التحسن الحقيقية في مستوى معيشة الفرد أو المجتمع.
إن الشعب المصري أذكى من أن يخدع بين الزيادة فى الدخول النقدية و ابطال مفعولها بزيادة الضرائب المباشرة أو غير المباشرة، أو حتي انخفاض نصيب الفرد من السلع والخدمات العامة.
نحن نريد زيادة حقيقية في الدخول لا زيادة نقدية هذا شريطة أن يزيد الانتاج والعمل معاً.

