الطريق
جريدة الطريق

عاطف البطل يكتب: الْعَلْمانيّةُ.. الصوت والصدى

-

إنّ هذه القضية تستحق كتابا مفصلا وليس مقالا موجزا؛ حتى نفهم حقيقة العلمانية وأهدافها الخفية التي أصبحت واضحة جليّة، فالعلمانية تنكر الدينَ ولا تؤمن به، كما أنها تدعو إلى فصل الدين عن حياة الناس كلها، وتدعو إلى إشاعة الفاحشة والشذوذ والاستهانة بالدين والفضيلة، وتصورُ أنّ سنن الإسلام وآدابه الشرعية عبارة عن تقاليد موروثة.
كل هذا وأكثر ظهر جليا واضحا في آراء أتباع العلمانية وأصحابها، سواء أكانت عبارة عن تغريدات، أم مداخلات، أم مقاطع فيديو مصورة، وهذه الآراء هي التي جمعت بينهم في خندق واحد، يظهرون منه واحدا تلو الآخر، بوجوه مختلفة، فشاهت تلك الوجوه.
على أننا ندرك جيدا ما يُحاك حولنا من خططٍ خبيثةٍ، ومؤامراتٍ دنيئةٍ، فتارة يخططون للنيْل من وطننا، وتارة أخرى للنيْل من عقيدتنا وإهانة رموزنا. ورغم هذا وذاك، فهناك أناس مخلصون، يحملون فوق عاتقهم المسؤولية الأخلاقية والوطنية والدينية، وهذا لا يكون ديْدن إلا مَنْ يحمل في صدره قلبًا نبيلًا شريفًا، فنراه يهبُ مدافعا عن عقيدته السليمة، متمسكا بتراب وطنه، مهما كانت الضغوط والإغراءات، وتلكم ثنائية الدين والوطن والتي يجب أن نحافظ عليها ونستمسك بها في جميع الأحوال.
إنّ الأزهر الشريف مؤسسة وطنية دينية وسطية معتدلة، وهو أيقونة الإشعاع الثقافي، ومنارة للعلم والعلماء في بقاع الأرض، والكل ينظر إليه نظرة إجلال وتعظيم، وما ينبغي أن نسمح بمهاجمتها الآن من قِبل العلمانية الفاجرة، كما لم نسمح من قبل للفاشية الدينية بالتطاول على الأزهر ولا شيخه الجليل عقب سقوط حكم الإخوان. وكلنا نتذكر جيدا ما حدث عقب ثورة 2013، التي أسقطت حكم الإخوان غير المسلمين الذين يمثلون الفاشية الدينية التي كانت تتطاول على مؤسسة الأزهر الشريف وشيخه الجليل، وكلنا انتفضنا ضدهم، وأبيْنا إلا كشفهم وبيان خداعهم.
والآن نشاهد تطاول بعض العلمانيين على مؤسسة الأزهر مرة أخرى، وليعلم هؤلاء أنّ المصريين عندما ثاروا على الإخوان في عام 2013، لم يثوروا على الدين، وإنما ثاروا على تجار الدين الذين استغلوه لتحقيق مآرب شخصية ومطامع دنيوية سواء أكان ذلك من الإخوان غير المسلمين أم من غيرهم.
إنّ الفاشية الدينيّة، والعلمانية القبيحة، كلاهما يكره الأزهر وشيخه، فالمتربصون به كثيرون، وقد جاؤوا من كل حدب ينسلون، ينتهزون الفرصة للانقضاض عليه، فهل نتركهم يفعلون، أم نكشف زيغهم وكذبهم، ومحاولتهم تضليل الناس عبر ترويج الشائعات حوله مهما كانت الذرائع والأسباب.
إنّ الاستهانة بالعلماء وخصوصا علماء الدين، إنما هو استمرار لنهج تحطيم القدوات والرموز، وإهانة المعتقدات، فكل شخص يعبد ربه بالطريقة التي يريدها، وليس بينه وبين ربه حاجز أو مانع، ولكن ليس كل شخص من حقه أن يتحدث في الدين أو يصدر الأحكام، فالدين علم مثل سائر العلوم الأخرى، لا يتحدث فيه إلا ذوو التخصص من أهله. فلماذا تُفتح لمثل هؤلاء العلمانيين بعض الأبواق الإعلامية يبثون من خلالها سمومهم وأحقادهم، ويروجون أكاذيبهم وأباطيلهم، وكل هذا يؤدي بلا شك إلى انتشار الحقد والكراهية بين الناس، وتكدير الأمن والسلم المجتمعي.
فلقد ادّعى بعضهم- بهتانا وزورا -أنهم من دعاة التحرر والتجديد، فباتوا ينقضّون على كل ما هو إسلامي بذريعة ذلك، وقد استغلوا كل ما يسيء للإسلام سواء كان عن طريق أحد المسلمين الذين لا يتبعون تعاليم الإسلام، أم عن طريق البحث والتنقيب عن الآراء الشاذة من هنا وهناك، وقدموها للناس على أنها من الإسلام وعلمائه، وذلك للطعن في الإسلام بشكل أو بآخر، فالإسلام مدان في جميع الأحوال وفق منهجهم وسلوكهم.
بعضهم ظل ينتقد الأزهر الشريف ومناهجه على مدار سنوات مضت، وكأنه متفرغ من كل شيء سوى انتقاد الأزهر، وعندما تتبعتُ كلامه وجدته غير صحيح، بل هو افتراء وتضليل، فضلا على أنه يشكك في بعض الثوابت، إذ شكك في وجود الخليفة أبي بكر الصديق مع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أثناء الهجرة. كما أنكر الإسراء والمعراج، وعذاب القبر، وأنكر فرض الحجاب، وهاجم الفتوحات الإسلامية …إلى آخره. وللعلم هو لا يجيد قراءة القرآن الكريم بشكل صحيح، ويخطئ في قراءة آياته.
وأما الآخر فكان يقدم نفسه على أنه كاتب وباحث في الدين الإسلامي!! رغم أنه لا يجيد قراءة اللغة العربية الصحيحة أو الآيات القرآنية...وبعضهم سخر من معجزات الأنبياء وتحدث عنهم بسخرية واستهزاء واتهم الأزهر الشريف بتصدير الإرهاب، ولم تسلم منه الديانة المسيحية أيضا، إذ توجه بالنقد إلى سرديات فيها.
لقد زعم هؤلاء جميعهم بأنهم يدعون إلى مدنية الدولة وصوروا الإسلام وكأنه ضد مدنيتها، وطالبوا أنْ يكون الدين داخل المسجد فقط، وتناسوا أن الدين معاملة والدين حياة. فالدين هو الذي يجعلني أحب وطني وأتقن عملي، وأكون صادقا مخلصا، وأعامل الجميع بأدب واحترام، وقد قال تعالى: "وقولوا للناسِ حُسْنا "(سورة البقرة- 83)، أي كلموا الناس طيبا ولينوا لهم جانبا، والكلام هنا لجميع الناس وليس المؤمنين منهم والصالحين، وإنما هو لجميع الناس، من يؤمن بالله ومن لا يؤمن.
لقد أشاع هؤلاء العلمانيون الكثير من المغالطات والحجج الواهية التي لا سند لها، ولا دليل على صحتها إلا أوهامهم الخادعة وفهمهم العقيم، ولا يحركهم في ذلك إلا حقدهم وكرههم لكل ما هو إسلامي، فهل نحن مُتيقظون؟