فاطمة العسيلي تكتب: ليتنا نعي

كنت أجلس مع صديقتي أُلْفَتّ التي قلما نرى بعضنا الآن، وإن تقابلنا لا تتجاوز الجلسة النصف ساعة بسبب انشغالها بأطفالها بارك الله لها فيهم وجميع فلذات المسلمين، وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث والتي كان يغلب الحديث فيها عن الأحداث الأخيرة في مجتمعنا على وجه الخصوص حوادث القتل التي أصبحت تحدث بتسارع غير مسبوق، وإذ بألفت تتساءل لِم أصبح القتل هذه الأيام شيء عادي؟. وتواصل: كيف يستهل الإنسان بقتل نفس دون الخوف من الله تعالى؟.
فأجبتها؛ طبعًا بسبب نقص الوازع الديني، وتقصير الأب والأم وأيضًا المدرسة في تعليم الأطفال القيم والمبادئ والخوف من الله، فأشارت مجيبة برأسها والأسى مرسوم على ملامحها نعم، كنا ونحن صغار يأخذنا الأهل للمسجد لحفظ القرآن الكريم، وكنا نحضر خطبة الجمعة، وكانت الدروس الشرعية يعج بها التلفاز وكنا نحافظ على سماعها ومنها تفسير الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه، وأيضًا برنامج العلم والإيمان للمرحوم الدكتور مصطفى محمود ونحضر دروس الدين لنتفقه ديننا الإسلامي؛ لذا نشأنا وفي قلوبنا خوف من الله ونحافظ على العبادات.
وتكمل؛ لم تكن أمي تسألنا عن الصلاة لأننا كنا نفعل من تلقاء أنفسنا أما الآن، أكثر من مرة أطلب من الأولاد أن يقوموا للصلاة حتى يسمعوا، وتسترسل: لم نكن نرهق الأهل في تربيتنا، كنا نسمع ما نُأمر به دون جدال وكنا نقدرهم ونساعدهم، ونشعر بهم حتى أننا كنا نعمل وندرس في نفس الوقت حتى لا نكون ثقلًا عليهم من تلقاء أنفسنا دون طلب أو حتى تلميح من ناحيتهم.
وإذ فجأة تتغير نبرة صوتها وتتحول من صوت عميق خافت حنون يستذكر الماضي بكل بساطته وطيبته وحرمانه وفلاحه إلى صوت متلهف قوي مفعم بالتمني والخوف، فاطمة، هل تعرفين مكان يلقي دروس علم شرعي للأبناء في سن المراهقه؟، قلت لها؛ لِم؟، قالت أريد أبنائي أن يتعلموا أمور دينهم، قلت لها؛ لم لا تفعلي بنفسك؟، فأجابت؛ لا وقت لدي بسبب العمل ومهام المنزل وأيضًا مهما كنت أحمل من معرفة لن أكون كأهل الاختصاص خاصة وأن أولادي في سن المراهقة وهناك أمور لن أتمكن من الحديث فيها معهم.
نظرت إليها نظرة إعجاب وتقدير، شعرت أن قلبي يصفق لها بحرارة وفرح بالغين، قلت لها بارك الله فيك صديقتي وأكثر الله من أمثالك، رائع هذا الجانب الذي أخذت بالبحث عنه والتفكير فيه وهو تحصين أولادك دينيًا وشرعيًا، هذا جميل، سوف أبذل قصارى جهدي في السؤال والبحث، وبالفعل قبل أن تنتهي مقابلتنا قمت بعمل اتصال هاتفي بشيخي وقريبي أبا عبدالرحمن لسؤاله في حاجة صديقتي العزيزة ووعدني بإجابة السؤال.
أرجو من كل قلبي أن تكون كل الأمهات مثل صديقتي ألفت والتي لم تهتم فقط بإطعام وكساية وتعليم أولادها العلم التطبيقي، ولكن أيضًا تهتم بتعليمهم أمور دينهم الحنيف والذي للأسف لم يعد ينال اهتمام الأسرة ولا المدرسة ولا حتى الإعلام، وبعد ذهاب ألفت دخل عقلي في صومعته الفكرية منعزلًا عن العالم من حولي ولم أخرج منها حتى انتهيت من تدوين أهم وأعظم ما حدث في تلك المقابلة الرائعة.
وفي نهاية مقالي الشيق هذا أود أن أقول لألفت أن فخورة بكِ صديقتي، وأوجه رسالة لكل أم وأب أرجو أن تلقموا أطفالكم العلم الشرعي كما تلقمونهم الطعام ودروس المدرسة؛ فالدين الحنيف هو من سيحميهم ويحفظهم من متقلبات الدهر والمحدثات والفتن التي هي في تزايد جنوني حتى وصل الأمر لأن طفلاً لم يدخل سن البلوغ قتل زميله وقام بتناوله وجبة ساخنة دون أن يهتز له كيان أو يخشى عقاب القانون أو المجتمع أو عقاب الخالق سبحانه ودون شك هذا الطفل لم يتربى على مبادئ الدين الحنيف.
وأوجه نداء للإعلام العربي؛ أرجو أن يعود الإعلام ليتبنى تعزيز الجانب الشرعي للمجتمع كما كان في السابق ويوجه دروس شرعيه تعليمية للأطفال على وجه الخصوص بأسلوب تعليمي شيق وجذاب ابتداء من القصص في سن الطفولة مرورًا بالبرامج التوعوية في سن البلوغ وبرامج دينية لداعيات وداعين لسن الجامعة، وأتمنى أن تعود المدرسة لإضافة مادة الدين إلى المجموع الكلي وأن تحتوي على المواد الفقهية وأساسيات العبادة وسيرة الأنبياء والصالحين والتراث القيم والأخلاق والمبادئ التي كان يتمتع بها العرب حتى قبل الرسالة النبوية.

