علاء السعودي يكتب: رثاء على منبرٍ يتهاوى

في ركنٍ قصيٍّ من المدينة، حيث اعتادت الأضواء أن تُضيء حبرًا وورقًا وحقائق، تناثرت أنباء عن إسدال مؤسسة صحفية عريقة ستائرها شيئًا فشيئًا؛ إنه ليس مجرد إغلاق؛ بل هو موتٌ لمنبرٍ كان شاهدًا على عقود من الحكايات، ودفنٌ لصوتٍ طالما صدح بالكلمة الحرة، والأشد مرارةً، أن هذا الانهيار لم يأتِ بقضاء خارجي قاهر، بل كان طعنةً نجلاء من الداخل، من أيدي من كان يُفترض بهم أن يكونوا حراسًا للمعبد.
تلك المؤسسة، التي بُنيت على أكتاف أصحاب رؤيةٍ آمنوا بالصحافة رسالةً ونورًا، تجد نفسها اليوم فريسة سهلة لمجموعة استحوذت على كل زمام الأمور، هؤلاء ليسوا الأكفأ، ولا الأكثر اجتهادًا، ولا حتى الأكثر إخلاصًا للمهنة؛ بل هم أسياد التملق وخبراء النفاق، الذين أتقنوا فنون التزلُّف والتزييف حتى أعموا بصيرة المالك عن حقيقة ما يدور في دهاليز إدارته.
لقد تحوّلت المؤسسة إلى مسرحٍ درامي بائس؛ فالعمل الصحفي الشريف، القائم على النزاهة والبحث عن الحقيقة، بات مُهمشًا لصالح لعبة الكراسي الموسيقية والتقارير المُلفقة، الصحفيون الحقيقيون، الذين يحملون الشغف في قلوبهم ويقدسون أخلاقيات المهنة، وجدوا أنفسهم مطرودين من فضاء القرار، أو مُحاصرين في زوايا الإحباط، بينما ارتفعت أصوات المنافقين والانتهازيين.
إن قلب المالك، الذي كان ينبض بحب المؤسسة، أصبح مُخدَّرًا بجرعات متواصلة من المديح الكاذب والإنجازات الوهمية، لقد نجح هذا اللوبي الفاسد في خلق فقاعة من الأوهام حوله؛ يروون له قصص النجاح التي لم تحدث، ويخفون عنه حالات الفشل المتراكمة، ويُظهِرون كل خرقٍ في سفينة المؤسسة على أنه بشرى أو تحدٍ بسيط؛ وبأساليبهم الملتوية، حوّلوا الإخلاص للمصلحة العامة إلى خضوع شخصي، وجعلوا الكفاءة الحقيقية عائقًا أمام تسلطهم.
والمأساة الكبرى تكمن في الثمن الباهظ لهذا النفاق؛ فبينما يرقص هؤلاء على أطلال المؤسسة، يتسرب المال والجهد، وتتراجع المصداقية، وتضيع مكانة الجريدة في سوق الإعلام المُتغير، لقد بات صوت المؤسسة خافتًا، ومحتواه ركيكًا، وتأثيره معدومًا، لا لشيء إلا لأن من يديرونه اليوم لا يؤمنون بشيء سوى بمصالحهم الضيقة وزيادة أرصدتهم من النفوذ الزائف.
نُشاهد هذا المنبر يموتُ حسرةً وكمدًا، يموت لأن الحقيقة تم تكميمها لصالح الأكاذيب المُنمَّقة، يموت لأن الأمانة أُهدرت في سبيل المصلحة الشخصية، ويموت لأن المالك استمع للمُزَيِّفين وغفل عن صوت الصدق الذي كان يُناديه من بين أنقاض المؤسسة.
يا للأسف على هذا المآل؛ فقد كنا نرى فيها منارة، وغدت اليوم مجرد ذكرى أليمة لمهنة عظيمة سقطت في وحل النفاق والانتهازية، وفي صمت هذا الإغلاق الوشيك، يتردد سؤال موجع: متى يتعلم أصحاب القرار أن النفاق ليس طريقًا للنجاح، بل هو طريق محتوم للفناء.

