الطريق
جريدة الطريق

فاطمة العسيلي تكتب: مفترق طرق

فاطمة العسيلي
-

تجتاحنا حالة من التخبط والتيه والخوف والصخب الفكري الذي لا يودي إلى نتيجة حاسمة وفاصلة في قراراتنا والحياة بشكل عام، بِتنا نتبع طرق ضبابية لا نرى لها معالم ونهاية واضحة نعلم يقينا أننا سوف نصل إليها في نهاية مسيرنا إستسلاما وربما إختصارا للوقت والجهد في التفكير والبذل.

هذا التخبّط والتِّيه في هذا العصر الذي تتسارع فيه الخطى، وتتزاحم فيه الخيارات اللازعة، لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح شعورًا شائعًا بالضياع يطرق أبواب الكثيرين، فالتخبّط في الرؤية المستقبلية لا يعني ضعفًا بقدر ما يعكس صراعًا داخليًا بين الصواب والخطأ وما نريده حقًا، وما يُفرض علينا من المجتمع وضغوط الحياة .

ينشأ هذا التِّيه حين تتعدد الطرق أمام الإنسان دون بوصلة واضحة، عندما تتشابك الرغبات مع المخاوف، وتتداخل الطموحات مع الشكوك ، فيجد المرء نفسه واقفًا عند مفترق طرق لا يدري أيها يسلك، هنا، لا يكون العجز في القدرة، بل في وضوح الرؤية؛ فالعين قد ترى، لكن القلب متحير، والعقل مثقل بالترددات والتي تودي بنا في جب الخوف المظلم.

كما تلعب التجارب السابقة دورًا كبيرًا في هذا الاضطراب؛ فخيبات الأمل المتكررة تزرع الخوف من اتخاذ القرار، وتدفع الإنسان إلى المماطلة أو الهروب من المواجهة ثم الحسم، ومع مرور الوقت ، يتحول هذا التردد إلى دائرة مغلقة، يعيد فيها الفرد التفكير دون أن يخطو خطوة حقيقية نحو الأمام  .

ولا يمكن إغفال تأثير العالم الخارجي، حيث ترى أعيننا صور مثالية للنجاح، تجعلنا نشكك في مساراتنا الخاصة، نقارن أنفسنا بالآخرين، فنفقد ثقتنا بما نملك، ونغفل أن لكل إنسان رحلته الفريدة، التي لا تُقاس بمعايير الآخرين ولا بتوقيتهم، ومع ذلك فإن هذا التِّيه ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته الحقيقية.

حينما تلتحم الحروف وتكتمل الجمل وتتقارب الصور والأحداث تظهر أمامنا حقائق الأمور والشخصيات فيُعاد تشكيل الوعي، ويصقل الفكر، وتنضج المشاعر؛ حينها يتعلم الإنسان أن يصغي إلى صوته الداخلي بعيدًا عن الضجيج، فالبصيرة لا تُمنح جاهزة، بل تُبنى تدريجيًا عبر التجربة، والخطأ، والمحاولة.

إن الخروج من حالة التخبّط يبدأ بخطوة بسيطة: هي الاعتراف بالضعف والفشل والأسباب دون خجل، ثم السعي لفهم الذات بصدق وفهم الآخرين والشعور بما يحيطنا، فكل إجابة عظيمة تبدأ بسؤال صادق، وكل طريق واضح كان يومًا ما ضبابيًا، ومع الصبر، والإصرار، يتحول التيه إلى إدراك، ويتبدد الضباب لتتجلى ملامح الطريق، لا كما خُطط له تمامًا، بل كما نضج في أعماقنا وأصبح أكثر انسجامًا مع حقيقتنا وما يليق بنا.

غير أن أخطر ما في التخبّط ليس الضياع ذاته، بل الاعتياد عليه، حين يطول الوقوف في منطقة الرماد، يفقد الإنسان شغفه بالسعي، ويستسلم لفكرة أن الوضوح رفاهية لا تُنال، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي؛ إذ تتحول الحياة إلى سلسلة من القرارات المؤجلة، والمشاعر المتجمدة ، والأحلام التي تذهب طي النسيان.

وفي خضم هذا التيه، قد يلجأ البعض إلى اختيارات سريعة هربًا من الحيرة، لا اقتناعًا بها ، فيختار طريقًا فقط لأنه واضح أو سهل، لا لأنه مناسب، لكن الهروب من الضباب لا يعني الوصول، بل قد يقود إلى ضياعٍ أعمق، حين يكتشف الإنسان أنه يسير في طريق لا يشبهه.

ومن جهة أخرى، هناك من يبالغ في انتظار “اللحظة المثالية” التي تتجلى فيها الرؤية كاملة، وكأن المستقبل لوحة مكتملة يجب أن تُرى بوضوح قبل البدء. 

والحقيقة أن الوضوح لا يسبق الخطوة، بل يتبعها، فكل تجربة؛ مهما بدت صغيرة أو عابرة، تُضيء جزءًا من الطريق، وتقرّب الصورة شيئًا فشيئًا.

لذلك؛ فإن التعامل الناضج مع هذا التخبّط لا يكون بمحاربته بعنف، أو الهروب منه، بل باحتوائه وفهم رسائله، فالحيرة أحيانًا ليست عدوًا ، بل إشارة إلى أن هناك شيئًا لم يُفهم بعد، أو خيارًا هو الأفضل لكن لم يحن أوانه، أو مشاعر لم تكتمل، والإنسان الواعي هو من يُحسن قراءة هذه الإشارات دون أن يغرق فيها، كما أن إدراك حقيقة الذات والعودة إليها، تظل حجر الأساس في بناء أي رؤية مستقبلية. 

أن يسأل الإنسان نفسه بصدق: ماذا أحتاج؟، وما يناسبني؟، ما الذي يمنحني شعورًا بالمعنى؟، وكيف أجد الأمان والحب والسعادة؟، وبعيدًا عن ضجيج المقارنات وتوقعات الآخرين، فالرؤية الحقيقية لا تُستعار بل تُكتشف. 

وفي النهاية؛ لا بد من الإيمان بأن الطريق لا يُرسم كاملًا من البداية، وأن جزءًا من جمال الرحلة يكمن في غموضها، فلو اتضحت كل التفاصيل منذ اللحظة الأولى، لفقدت الحياة متعتها، ولما تعلّم الإنسان مرونة التكيّف وشغف الاكتشاف ومتعة الوصول.

إن التخبّط، بكل ما فيه من قلق وارتباك، ليس إلا مرحلة عابرة في مسيرة الوعي، مرحلة تُعيد ترتيب الداخل، وتدفع الإنسان إلى إعادة تعريف نفسه، ليس كما كان، بل كما ينبغي أن يكون، ومن رحم هذا التيه، تولد أوضح الرؤى، وأكثرها صدقًا؛ لأنها لم تُبنَ على يقينٍ زائف، بل على رحلة بحثٍ حقيقية .