الطريق
جريدة الطريق

شحاتة زكريا يكتب: حين يصبح الغد أكثر غموضا من الأمس

شحاتة زكريا
-

في الأزمنة العادية كان الغد يُبنى على الأمس تُقرأ الاتجاهات وتُستنتج المسارات ويُرسم المستقبل بدرجة معقولة من اليقين. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة. لم يعد الغد امتدادا طبيعيا لما مضى بل مساحة مفتوحة على احتمالات متناقضة يغلب عليها الغموض أكثر مما يحكمها الوضوح، نحن أمام لحظة تاريخية يتراجع فيها اليقين وتتقدم فيها الأسئلة.. في الشرق الأوسط يتخذ هذا التحول طابعا أكثر حدة.

فالإقليم الذي اعتاد على التوترات يواجه اليوم نوعا مختلفا من عدم اليقين ليس فقط في طبيعة الصراعات بل في شكل النظام الإقليمي نفسه، لم تعد التحالفات ثابتة كما كانت ولا الخصومات حادة بالقدر ذاته بل أصبحت أكثر سيولة تتحرك وفق حسابات متغيرة ومصالح آنية وضغوط دولية لا يمكن تجاهلها.. هذا التبدل في قواعد اللعبة ينعكس مباشرة على طريقة إدارة الدول لسياساتها.

فصانع القرار لم يعد يملك رفاهية الرهان طويل الأمد بل أصبح مطالبا بالتعامل مع واقع سريع التغير حيث يمكن لحدث مفاجئ أن يعيد ترتيب الأولويات بالكامل، ومن هنا تتحول السياسة من تخطيط استراتيجي مستقر إلى إدارة مستمرة للأزمات ومن البحث عن أفضل الخيارات إلى محاولة تجنب أسوأ السيناريوهات.. اقتصاديا لا يبدو المشهد أقل تعقيدا.

فالتقلبات العالمية من اضطرابات سلاسل الإمداد إلى تغيرات أسواق الطاقة تضيف طبقات جديدة من الغموض إلى اقتصادات المنطقة، ومع تزايد الضغوط التضخمية وتراجع القدرة على التنبؤ يصبح التخطيط الاقتصادي نفسه أكثر صعوبة، لم يعد السؤال: كيف ننمو؟ بل: كيف نحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة لا تمنح ضمانات؟،
لكن الغموض لا يقف عند حدود السياسة والاقتصاد بل يمتد إلى المجتمع حيث تتغير نظرة الأفراد إلى المستقبل، فحين يصبح الغد أقل وضوحا تتبدل الأولويات وتتراجع خطط طويلة الأمد لصالح قرارات قصيرة المدى. الادخار، العمل، التعليم وحتى العلاقات الاجتماعية كلها تتأثر بهذا الشعور العام بعدم اليقين، ومع الوقت لا تتآكل فقط القدرة على التخطيط بل أيضا الإحساس بالطمأنينة.. ورغم ذلك فإن الغموض ليس دائمًا مرادفا للفوضى، ففي كثير من الأحيان يكون غياب الوضوح دافعا لإعادة التفكير وفرصة لكسر أنماط تقليدية لم تعد صالحة، التاريخ مليء بلحظات بدت فيها الرؤية ضبابية لكنها كانت في الحقيقة مقدمات لتحولات كبرى، والفارق يكمن في كيفية التعامل مع هذا الغموض: هل يدار كعبء أم يُستثمر كفرصة؟

في الشرق الأوسط تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحا، فالإقليم يمتلك من المقومات ما يؤهله لتجاوز أزماته لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات بنيوية تتطلب أكثر من مجرد إدارة مرحلية، والمطلوب ليس فقط احتواء الأزمات بل بناء نماذج جديدة للتعاون وإعادة تعريف مفهوم الأمن وربط الاستقرار السياسي بالتنمية الاقتصادية بشكل أكثر عمقا.. وهنا يبرز دور الرؤية، فوسط هذا الضباب تصبح القدرة على رسم اتجاه دون وضوح كامل عاملا حاسما، ليست المسألة في امتلاك إجابات جاهزة، بل في طرح الأسئلة الصحيحة، وفي بناء سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات. فالعالم الذي نعيشه اليوم لا يكافئ الجمود بل يمنح الأفضلية لمن يستطيع التحرك في مساحات عدم اليقين.. كما أن الخطاب العام يلعب دورا لا يقل أهمية، ففي أوقات الغموض يحتاج المجتمع إلى لغة توازن بين الصراحة والطمأنينة بين الاعتراف بالتحديات وعدم الاستسلام لها.

الخطاب الذي يُبسط الواقع دون تزييف ويمنح الأمل دون مبالغة يصبح أداة أساسية للحفاظ على التماسك الاجتماعي ولتعزيز القدرة الجماعية على التحمل.. في النهاية قد يكون الغد أكثر غموضا من الأمس لكن هذا لا يعني أنه أقل قابلية للفهم أو للتشكيل، فالغموض رغم ما يحمله من قلق يفتح أيضا مجالا لإعادة التعريف: تعريف الأولويات وتعريف الأهداف وحتى تعريف معنى النجاح ذاته، وفي هذا السياق، تصبح القدرة على التكيف ليست مجرد مهارة بل شرطا للبقاء.

إننا نعيش لحظة لا يمكن التعامل معها بالأدوات القديمة ولا يمكن قراءتها بمنطق الماضي، هي لحظة تتطلب عقلا مفتوحا ورؤية مرنة وإرادة قادرة على التحرك وسط الضباب، وبين كل هذه التعقيدات يظل السؤال مفتوحا: هل نترك الغموض يقودنا أم نحاول بقدر ما نستطيع أن نقود نحن مسارنا داخله؟.