خالد يوسف: جمال عبد الناصر مات ولم يكن يملك سوى مرتبه 68 جنيهًا فقط لا غير

قدم المخرج الكبير خالد يوسف، قراءة نقدية وتوثيقية صارمة حول مفهوم العدالة الاجتماعية في عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، نافيًا المزاعم التي تتحدث عن نشوء طبقة إقطاعية جديدة من الضباط الأحرار، أو توغل الفساد المالي واستغلال النفوذ في ذلك العهد.
وكشف المخرج الكبير خالد يوسف، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ، ببرنامج "كل الكلام"، المذاع على قناة "الشمس"، عن فارق علمي ومنهجي بين مفهومي الحماية الاجتماعية المؤقتة والعدالة الاجتماعية الشاملة، مستعرضًا كيف نجح نظام يوليو في تحويل أكثر من 90% من الشعب المصري إلى طبقة وسطى مستقرة، موضحًا كواليس السيطرة الصارمة على رجالات الدولة وأقارب الرئيس نفسه.
وردًا على الأطروحة الجدلية التي ادعت سيادة بعض رجال الضباط الأحرار على رؤوس الأموال وبناء نفوذ مالي وسلطوي بديل للإقطاع، أكد غياب هذه المظاهر تمامًا في عهد جمال عبد الناصر، معقبًا: "في عصر جمال عبد الناصر لم يكن هناك أي ضابط قولا واحدًا يستطيع ممارسة أي مظهر من مظاهر الفساد المالي أو استغلال النفوذ بالملايين والمليارات التي نسمع عنها اليوم، من كان يحاول الخروج عن النص، حتى وإن كان في حدود ضيقة جدًا، كان يُقطع رقابه فورًا بموجب القانون والقواعد الصارمة، وشمل الحسم الشديد عائلة الرئيس ونظافة يدها، بما في ذلك شقيق جمال عبد الناصر نفسه؛ فلم يكن هناك مجاملة أو تهاون في قوت الشعب وأموال الدولة".
وفكك المفهوم الخاطئ للعدالة الاجتماعية الذي يختزله البعض في توزيع الأموال على الفقراء، واصفًا هذا المسلك بأنه مجرد حماية اجتماعية سريعة بمثابة تنفس صناعي للأكثر احتياجًا، بينما صاغ جمال عبد الناصر إستراتيجية مستدامة ارتكزت على ثلاثة محاور رئيسية؛ بيئة صحية سليمة من خلال توفير مياه شرب ومجاري بمواصفات منضبطة بالقرى، فضلا عن تعليم مجاني حقيقي إلى أصغر عامل وفلاح، علاوة على تخطيط وتوظيف فوري وربط الخريجين بالمصانع بناءً على خطط مدروسة.
وأوضح أن هذه الإستراتيجية تحولت إلى واقع ملموس؛ حيث أصبحت هناك مدرسة ووحدة صحية في كل قرية، ومستشفى مركزي في كل مركز، مما أتاح العلاج والتعليم المجاني الفعلي للجميع، وكان الإنجاز الأبرز هو اختفاء معدلات البطالة نتيجة التخطيط الدقيق؛ إذ كانت الدولة تبني المصانع والمستشفيات بالتوازي مع أعداد الخريجين من المهندسين والأطباء لاستيعابهم فورًا، وهي المنظومة العلمية التي أفرزت قامات عالمية رفيعة المستوى كالبروفيسور الراحل أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل.
ولفت إلى أن كفاءة توزيع ثروة مصر بشكل عادل أدت إلى اتساع الطبقة الوسطى حتى استوعبت أكثر من 90% من المجتمع عند رحيل جمال عبد الناصر، مشددًا على أن أمان واستقرار أي دولة يكمن في قوة هذه الطبقة، بينما تبدأ معالم الانهيار والاضطراب فور تآكلها.
وانتقد السياسات والتشريعات المتبعة منذ عام 1970 وحتى اللحظة الحالية، مؤكدًا أنها قادت إلى تآكل مستمر في المكتسبات الاجتماعية، ودعمت نزول فئات واسعة من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر، وهو ما لم يكن قائمًا أو مقبولًا في العهد الناصري الذي اتسمت فيه معدلات الفقر بالانحسار الشديد مع غياب الطبقات الفاحشة الغناء.
وفي سياق كشف الزيف التاريخي، فند المخرج خالد يوسف إسناد ثروة رجل الأعمال الراحل أشرف مروان زوج بنت جمال عبد الناصر إلى العصر الناصري، مظهرًا الحقائق المالية الموثقة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورجاله، معقبًا: "جمال عبد الناصر مات ولم يكن يملك في دنيته سوى مرتبه الرسمي البالغ 68 جنيهًا مصريًا فقط لا غير، ولم يترك وراءه قصورًا أو شركات، وكذلك كان حال الضباط الأحرار؛ لم يملك أحد منهم شركات أو ملايين في حياته، وثروة أشرف مروان هي نتاج خالص لعصر الرئيس أنور السادات؛ حيث استعان به السادات عقب عام 1970 لمواجهة التيار الناصري سياسيًا مستغلًا مصاهرته لعبد الناصر، وعينه رئيسًا للهيئة العربية للتصنيع وفتح له مجالات العمل التجاري؛ لذا من الإجحاف والجهل التاريخي أن يُحاسب جمال عبد الناصر على ثروات وتجاوزات حدثت بعد وفاته ولم تكن موجودة مطلقًا في زمنه".

