محمد دياب يكتب: بين الدرجات والقيم.. أين تقف مادة الدين؟

قد يبدو قرار وزارة التربية والتعليم برفع نسبة النجاح في مادة التربية الدينية إلى 70% خطوة في ظاهرها إيجابية تحمل رسالة واضحة مفادها إعادة الاعتبار لمادة طالما وُضعت على هامش العملية التعليمية، كما أن التصريحات الرسمية التي رافقت القرار والتي أكدت أن الهدف هو ترسيخ القيم الأخلاقية وحماية عقول النشء من الانحراف والتطرف تبدو من حيث المبدأ نبيلة ولا خلاف عليها
لكن بعيدًا عن الجدل الدائر حول القرار وما أثاره من ردود فعل متباينة بين أولياء الأمور خاصة بعد أن أصبح الرسوب في مادة الدين واقعًا يهدد بعض الطلاب المتفوقين يفرض سؤال نفسه بقوة: هل يمكن بالفعل اختزال بناء الوعي الديني والأخلاقي في ورقة امتحان ودرجة نجاح أو رسوب؟.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن التعامل مع مادة التربية الدينية لعقود طويلة باعتبارها مادة ثانوية لا تستحق سوى ليلة مراجعة عابرة هو نتاج خلل أعمق من مجرد نظام تقييم، وبالتالي فإن معالجة هذا الخلل من خلال تشديد معايير النجاح فقط تظل محدودة الأثر وقد تقود إلى نتائج غير مرغوبة ما لم تُصاحبها رؤية أشمل وأكثر تكاملًا.
إن غرس القيم الدينية الحقيقية يرتبط بمنظومة متكاملة تتضافر فيها أدوار المدرسة والمجتمع، أين الأنشطة التي تُترجم هذه القيم إلى واقع؟، وأين المسابقات التي تعزز الفهم الوسطي للدين؟، وأين المساحات المشتركة التي تجمع الطلاب المسلمين والمسيحيين في حوارات إنسانية تُرسخ ثقافة التعايش؟.
ثم ماذا عن دور المؤسسات الدينية؟، وأين الحضور الفعّال للأزهر والكنيسة داخل المدارس ليس فقط في إطار الوعظ وانما في بناء وعي نقدي يميز بين صحيح الدين وانحرافاته؟، وأين الإعلام، والفن، والنماذج العامة المؤثرة، من المشاركة في تشكيل هذا الوعي لدى الأجيال الجديدة؟.
تنطلق معركة تجديد الخطاب الديني من الفصول الدراسية وساحات المدارس من تلك اللحظات اليومية التي يتشكل خلالها وعي الطفل والمراهق، وهناك يتشكل الفارق الحقيقي
إذا كان الهدف هو إعداد جيل يمتلك فهمًا صحيحًا لدينه، ويُدرك قيمة الوطن ويكون قادرًا على مواجهة التطرف فإن تطوير الوسائل يصبح جزءًا أساسيًا من تحقيق هذه الأهداف؛ فالإيمان في جوهره يتجذر وعيًا وسلوكًا ويتشكل في الممارسة اليومية قبل أن يُقاس على ورقة امتحان.

