الطريق
جريدة الطريق

حسام النوام يكتب: بين الوهم والشيطان.. لماذا عاد السحر والدجل ليحكما عقول الناس في عصر العلم؟

-

في الوقت الذي وصل فيه الإنسان إلى القمر، واخترق أعماق الفضاء، ونجح في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على تنفيذ مهام كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة، كان من المنطقي أن يعتقد الكثيرون أن عصر الخرافات والدجل والسحر قد انتهى إلى غير رجعة، وأن المجتمعات الحديثة تجاوزت مرحلة اللجوء إلى المشعوذين والدجالين الذين يتاجرون بالأوهام ويقتاتون على مخاوف الناس وأحلامهم.
لكن الواقع جاء مختلفًا تمامًا.

فبدلًا من انحسار هذه الظواهر، نجد أنها تتوسع بصورة لافتة، ولم تعد مقتصرة على القرى النائية أو البيئات الأقل تعليمًا كما كان يعتقد البعض، بل امتدت إلى المدن الكبرى، ووصلت إلى أصحاب الشهادات الجامعية، بل وإلى رجال أعمال وأثرياء ومشاهير، وأصبح الدجالون يحققون ثروات طائلة من خلال بيع الوهم لمن يبحث عن حل سريع لمشكلة أو مخرج من أزمة أو تحقيق حلم طال انتظاره.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا انتشرت هذه الظاهرة بهذا الشكل المخيف رغم التقدم العلمي والمعرفي الذي نعيشه؟، عندما ينتصر الخوف على العقل، الحقيقة أن الإنسان عندما يواجه أزمة كبيرة قد يفقد قدرته على التفكير المنطقي.

فالفتاة التي تأخر زواجها سنوات طويلة قد تصبح مستعدة لتصديق أي شخص يخبرها أن هناك "عملاً" يمنع زواجها، والزوجة التي تعاني من خلافات أسرية قد تقتنع بأن بيتها تعرض للسحر، والرجل الذي خسر أمواله أو فشل مشروعه قد يبحث عن تفسير غيبي بدلاً من مواجهة الأخطاء الحقيقية التي أدت إلى خسارته، وهنا يبدأ الدجال في الظهور.

إنه لا يقدم حلولاً حقيقية، بل يقدم تفسيرًا مريحًا للهروب من الواقع، ويمنح ضحيته شعورًا مؤقتًا بالأمل والسيطرة على المجهول، فيتحول الوهم إلى تجارة، والخوف إلى مصدر رزق، واليأس إلى سوق مفتوح للنصب والاحتيال.

لم تعد المشكلة في الجهل فقط
لفترة طويلة كان الاعتقاد السائد أن انتشار السحر والدجل مرتبط بالأمية وضعف التعليم، لكن التجربة أثبتت أن الأمر أكثر تعقيدًا، فكم من متعلم يحمل أعلى الشهادات ويؤمن بالخرافة؟، وكم من شخص ناجح اقتصاديًا أو اجتماعيًا يلجأ إلى المشعوذين؟
المشكلة الحقيقية ليست نقص المعلومات فقط، بل غياب الوعي النقدي وضعف الثقافة الدينية الصحيحة.

فالتعليم يمنح الإنسان المعرفة، لكنه لا يضمن بالضرورة امتلاك العقلية القادرة على التمييز بين الحقيقة والخداع، ولهذا نجد أن بعض المتعلمين قد يقعون فريسة للدجل عندما تشتد عليهم الضغوط النفسية أو العاطفية أو المادية، تجارة بمليارات تقوم على استغلال الألم، الدجال لا يبحث عن الأقوياء، إنه يبحث عن الموجوعين، عن الأم التي تبكي بسبب مرض ابنها، وعن الفتاة التي تنتظر شريك حياتها، وعن الزوج الذي يخشى انهيار أسرته، وعن الشاب الذي فشل في تحقيق أحلامه، إنه يتغذى على الألم الإنساني.

يخبر ضحيته أن الحل عنده، وأن المشكلة ليست في الظروف أو القرارات أو الأسباب الطبيعية، بل في "سحر مدفون" أو "عمل سفلي" أو "حسد شديد"، ثم تبدأ رحلة الابتزاز المالي والنفسي التي قد تستمر شهورًا أو سنوات، وفي كثير من الأحيان تتحول الضحية إلى أسير دائم لهذا الوهم، فلا يتخذ أي قرار في حياته إلا بعد الرجوع إلى الدجال.

أين دور الدين الحقيقي؟

من المفارقات المؤلمة أن كثيرًا من الدجالين يتخفون خلف ستار الدين، يستخدمون بعض الآيات أو العبارات الدينية لإقناع الناس بصدقهم، بينما الحقيقة أن جميع الأديان السماوية حذرت من السحر والشعوذة والكهانة والتعلق بغير الله.

فالإيمان الحقيقي يدعو إلى العمل والأخذ بالأسباب والصبر والسعي، لا إلى تعليق المصير على أوراق مكتوبة أو طلاسم غامضة أو أوهام لا أصل لها.

لقد تحولت العلاقة الروحية لدى البعض من الثقة بالله إلى الخوف الدائم من الحسد والسحر والأعمال، وأصبح الحديث عن السحر في بعض المجتمعات أكثر من الحديث عن الاجتهاد والعمل والتخطيط، وهنا تكمن الخطورة.

وسائل التواصل الاجتماعي.. مصنع جديد للخرافة، وإذا كان الدجال في الماضي ينتظر الضحايا داخل غرفة صغيرة أو منزل متواضع، فإن التكنولوجيا الحديثة منحته اليوم منصة عالمية.

فبضغطة زر يستطيع الوصول إلى آلاف الأشخاص، وأصبحنا نرى صفحات وحسابات تدعي علاج السحر وفك الأعمال وجلب الحبيب ورد المطلقة وفتح النصيب وتحقيق الثراء السريع، والمؤسف أن بعض هذه الحسابات تحقق ملايين المشاهدات والمتابعين.

إنها مفارقة عجيبة؛ التكنولوجيا التي كان من المفترض أن تنشر العلم أصبحت في بعض الأحيان وسيلة لنشر الخرافة، أزمة قيم قبل أن تكون أزمة فكر عندما تنتشر ثقافة البحث عن الحلول السحرية السريعة، فإن ذلك يعكس أزمة أعمق داخل المجتمع، أزمة تتعلق بالصبر.
وبالاجتهاد، وبتحمل المسؤولية، وبالإيمان بأن النجاح يحتاج إلى وقت وجهد وتخطيط، لقد أصبح البعض يريد الزواج دون سعي، والنجاح دون عمل، والثروة دون تعب، والعلاج دون طب، والحلول دون مواجهة الواقع.
ومن هنا يجد الدجال بيئة مثالية للنمو والانتشار، إلى أين نحن ذاهبون؟، السؤال الأخطر ليس لماذا انتشرت الظاهرة؟
بل إلى أين يمكن أن تقودنا؟.

إن استمرار انتشار الدجل والسحر يعني مزيدًا من استنزاف الأموال، ومزيدًا من تفكيك الأسر، ومزيدًا من نشر الخوف والجهل، ومزيدًا من تعطيل العقول عن التفكير العلمي والمنطقي، فالمجتمع الذي يفسر كل مشكلة بالسحر لن يبحث عن أسبابها الحقيقية، والمجتمع الذي يعلق آماله على الدجالين لن يبني مستقبلًا قائمًا على العلم والعمل، والحل يبدأ من هنا، مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالسخرية من الضحايا، بل بفهم أسباب سقوطهم في هذا الفخ، نحتاج إلى تعليم حقيقي يبني العقل لا الذاكرة فقط، ونحتاج إلى خطاب ديني مستنير يصحح المفاهيم المغلوطة، ونحتاج إلى إعلام واعٍ يكشف أساليب النصب والخداع، ونحتاج إلى أسرة تربي أبناءها على التفكير النقدي والثقة بالنفس، وقبل كل ذلك نحتاج إلى العودة إلى القيم التي قامت عليها المجتمعات السليمة: الصدق، والعمل، والاجتهاد، والإيمان الصحيح، وتحمل المسؤولية.

فالسحر الحقيقي الذي يصنع المستقبل ليس في الطلاسم ولا الأحجبة، بل في العلم والمعرفة والإرادة، أما الدجل فلن يصنع إلا مزيدًا من الوهم.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإنسان أكثر تطورًا علميًا من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه أكثر استعدادًا لتصديق الخرافة؟، وهل نملك الشجاعة للعودة إلى العقل قبل أن يدفع المجتمع ثمنًا أكبر لهذا الانحدار الفكري والأخلاقي؟.