هل بدأنا بيئة مستدامة مع اتفاق أمريكا وإيران أم كارثة بيئية جديدة؟

في عالمٍ باتت تحكمه التغيرات المناخية المتسارعة، لم تعد الاتفاقيات السياسية والاقتصادية بين الدول الكبرى والمؤثرة شأناً دبلوماسياً مغلقاً، بل أصبحت صكوكاً تؤثر بشكل مباشر على مستقبل كوكبنا. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الجوهري اليوم حول أي تقارب أو اتفاق (سواء كان نووياً، اقتصادياً، أو جيوسياسياً) بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية: هل نحن بصدد خطوة نحو بيئة مستدامة، أم أننا نفتح الباب على مصراعيه لكارثة بيئية جديدة؟
لقراءة المشهد بوضوح، يجب أن ننظر إلى هذا الاتفاق من منظور "جيوسياسي بيئي" يزن المصالح بالميزان الأخضر.
الجانب المضيء: سيناريو البيئة المستدامة
من منظور متفائل، يمكن لأي اتفاق وتخفيف لحدة العقوبات أن يثمر عن فوائد بيئية حقيقية إذا ما وُجهت الجهود نحو الاستدامة:
تحديث البنية التحتية للطاقة: تعاني منشآت النفط والغاز في إيران من تقادم تكنولوجي جراء العقوبات، مما يتسبب في نسب انبعاثات هائلة وتسريبات غاز الميثان الضار بالبيئة. الاتفاق قد يسمح بدخول تكنولوجيات حديثة لتقليل هذه الانبعاثات.
الاستثمار في الطاقة المتجددة: تمتلك إيران إمكانات هائلة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. رفع العزلة الاقتصادية قد يفتح الباب للاستثمارات الدولية لتمويل مشاريع الطاقة النظيفة في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من الإجهاد الحراري.
التعاون المناخي الإقليمي: إنهاء التوترات يمهد الطريق لتعاون بيئي عابر للحدود لمواجهة الأزمات المشتركة في المنطقة، مثل جفاف الأنهر، العواصف الترابية، وإدارة الموارد المائية الشحيحة.
الجانب المظلم: مخاوف الكارثة البيئية الجديدة
على المقلب الآخر، ثمة مخاوف حقيقية تجعلنا كمتخصصين في البرلمان العالمي للبيئة ننظر بريبة إلى التبعات الفورية لأي اتفاق:
العودة الكثيفة للوقود الأحفوري: إن ضخ ملايين البراميل الإضافية من النفط الإيراني يومياً في الأسواق العالمية لتلبية احتياجات الطاقة، يعني ببساطة زيادة في الانبعاثات الكربونية العالمية، وهو ما يتناقض تماماً مع مستهدفات "اتفاقية باريس للمناخ".
النمو الصناعي غير المنضبط: العودة السريعة للعجلة الاقتصادية والمصانع دون فرض قيود بيئية صارمة قد تؤدي إلى تلوث حاد في الهواء والمياه الجوفية، وزيادة الضغط على الموارد المائية المستنزفة أصلاً في المنطقة.
الملف النووي والمخاوف الإشعاعية: تظل الأنشطة النووية، حتى السلمية منها، مصدر قلق بيئي دائم يتعلق بكيفية التخلص من النفايات المشعة، والمخاطر الكارثية لأي تسرب إشعاعي قد يهدد منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط برمتها.
رؤية من البرلمان العالمي للبيئة: ما هو المطلوب؟
بصفتنا صوتاً للبيئة العالمية، نرى أن الحكم على هذا الاتفاق لا يجب أن يتوقف عند الأبعاد الأمنية والاقتصادية فقط. إننا نطالب بدمج "البُعد البيئي" كركيزة أساسية في أي مفاوضات.
خلاصة القول: إن الاتفاق بين أمريكا وإيران لن يقودنا إلى بيئة مستدامة بشكل تلقائي، كما أنه لن يكون كارثة حتمية إلا إذا سمحت الإرادة السياسية بذلك. الخيار بيد القوى الموقعة؛ فإما أن يُستغل الاتفاق كفرصة لتمويل التحول الأخضر وتحديث الصناعات لتكون صديقة للبيئة، أو يسقط الكوكب في فخ الطفرة النفطية الجديدة التي تحرق ما تبقى من آمال لإنقاذ المناخ.
إن الحفاظ على كوكب الأرض هو الاتفاق الأهم الذي يجب أن توقعه البشرية جمعاء، وبدون شروط.

