عماد خلاف يكتب: مسلسل ”ورد علي فل وياسمين” والمنطق الدرامي

مع بداية المشاهد الأولي، في أي عمل درامي، يطل علينا سؤال، ماذا يحدث؟ ومع توالي الحلقات واحدة وراء الأخري تأتي الأسئلة، هل كان ينبغي أن يحدث كل هذا أصلا وفق منطق الشخصيات؟، من هنا بدأت أزمة مسلسل "ورد علي فل وياسمين" للمخرج محمود عبد التواب، هل كانت الأحداث امتداد منطقي وطبيعي لمسار نفسي واجتماعي متماسك للشخصيات؟ أم أننا أمام رؤية وخيال المؤلفين عمرو سمير عاطف، ووائل حمدي، الذين أرادوا التحول أو ما يطلق عليها سرديا، القفز فوق منطق الشخصيات، ذلك الانفصال الذي يجعل الشخصية تتصرف وكأنها خارج تاريخها وخارج شروطها النفسية وأيضا بيئتها.
يري الناقد الروائي "إي إم فورستر" في كتابه "جوانب الرواية" 1927، أن هناك فرق بين الشخصية المسطحة، والشخصية الدائرية، وإن القيمة الحقيقية للشخصية الدرامية لا تكمن في ما تفعله فقط، بل في قدرتها علي إقناع القاريء أو المشاهد بأن ما تفعله نتيجة طبيعية لما قبلها، لكن حين تتصرف الشخصيات بما يناقض تراكمها الداخلي دون مبرر يتحول السرد إلي مجرد "أحداث توضع فوق بعضها"، لا إلي بنية إنسانية متماسكة، حاول المؤلفين خلال الـ 15 حلقة أن يقنع المشاهد بأن ما فعله الشاب الطبيب "طارق" الشخصية التي جسدها أحمد عبد الوهاب، الذي تمرد علي والده، وينتمي إلي بيئة اجتماعية مستقرة نسبيا، يعيش أزمة تعنت وإجبار مع والده الذي يفرض خياراته عليه، فجأة يتحول هذا الصراع العائلي إلي ارتباط عاطفي شديد بامرأة مطلقة لديها طفل، تعيش ظروفا معقدة، مطاردة من طليقها الذي خرج من السجن، وعلاقة عاطفية غير مستقرة، ومرض، وموت في النهاية، المسلسل حاول كسر الصور النمطية داخل الدراما المصرية، عندما طرح حكاية تبدو غير تقليدية في الظاهر، امرأة مطلقة لديها طفل، تحاول إعادة بناء حياتها العاطفية وسط أزمات متشابكة مع طليقها الذي يحمل ماضي عنيف، بينما تدخل "إلهام" الذي جسدت الشخصية صبا مبارك، حياتها شاب أصغر منها سنا، يعيش صراعا مع والده وسلطته الصارمة، من خلال البناء الدرامي يطرح المسلسل رؤية أكثر تحررا تجاه الحب والعلاقات الإنسانية خارج القوالب الاجتماعية المعتادة لكن مع تطور الأحداث تنكشف أننا أمام أزمة كبيرة ليست مجرد بعض الثغرات في الحبكة الدرامية ولكن في كشف التناقض الجوهري بين ما يبدو أنه خطاب رومانسي تقدمي وبين ما حدث فعليا علي مستوي المشاهد من رسائل اجتماعية وثقافية محافظة، تجعل العمل في النهاية أقرب إلي إعادة إنتاج نفس الأفكار التقليدية الذي أدعي في البداية تجاوزها.
التمرد الذي قاده الطبيب طارق، علي والده من خلال وقوعه في حب هذه المرأة المطلقة، لم يكن تطور عاطفي حقيقي راح من خلاله إلي هذه العلاقة، بل جاء للتمرد عليه، بالإضافة إلي تعلقه بامرأة أكبر منه سنا أيضا وتبيع الورد ويذهب إليها في المحل ويشتري منها وردة وبدل ما يعطيها لها دليل علي إعجابه بها يتراجع ويرميها في العمارة التي يسكن بها، الكاتبان أراد صنع حالة تمرد ضد الأب فاختار هذه العلاقة الفاشلة من البداية باعتبارها الأكثر صداما لبناء درامي أكثر تشويقا لدي المشاهد العربي والمصري، لنقع في أزمة المصداقية الدرامية.
كعادتها صبا مبارك فرضت حضورها القوي والمتماسك من خلال إدائها التمثيلي، ومنحت شخصية إلهام قدرا من الإنسانية والهدوء الداخلي، وظهر ذلك في لحظات الانكسار والصراع النفسي، خبرتها الكبيرة جعلتها قادرة علي تجاوز بعض الثغرات، فبدت الشخصية أكثر عمقا، وجعل المشاهد يتعاطف مع البطلة، في المقابل قدم أحمد عبد الوهاب أداء صادق ونجح في التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، ومحاولة إثبات استقلاله، كما أن الفنانة الرائعة ميمي جمال، فرضت نفسها كعادتها في رسم شخصية الأم البسيطة وجاء دورها متميز، وفدوي عابد، ووليد فواز، وسلوي محمد علي ، وإسماعيل فرغلي وغيرهم من الفنانين الذي أجادوا في أدوارهم، والمخرج والمؤلفان.
المسلسل اختبيء خلف الرومانسية، لكن إعاد إنتاج ما تم تقديمه قديماً بالمرأة المطلقة التي تحاول بدء حياة جديدة لا تصل إلي الخلاص،بل تنتهي بالعقاب الكامل، حيث إدخل المؤلفان مرض السرطان ليكون وسيلة درامية للتعاطف، ويتحول إلي مليودراما لإنهاء الحكاية بحزن مكثف، وتقديم المرأة بوصفها كائن محكوم عليه بالمعاناة الدائمة فالمرأة هنا لا تحصل علي فرصة حقيقية للحياة، بل تنتقل من مأساة إلي أخري وزواج فاشل ومسئولية طفل وطليق عنيف وعلاقة معقدة ومرض قاتل ثم نهاية مأساوية والتأكيد علي أن المرأة المطلقة ما هي إلا مشروع مستمر للألم، وبدل من تقديم حب معقد وناضج بين شخصيتين تواجهان المجتمع، انتهي المسلسل إلي الميلودراما التقليدية المصرية العربية، لتكون الرسالة الاجتماعية القديمة الدائمة وهي أن الأحلام لا يسمح لها بأن تكتمل، ومع نهاية المشاهد يتزوج البطل من زميلته في العمل، ليعود إلي المنطق البشري الطبيعي الذي حاول المؤلف التمرد عليه لكنه لم يستمر.
يبقي للمؤلفان عمرو سمير عاطف، ووائل حمدي، أنهما قاما بتقديم علاقة درامية غير مألوفة، وطرحوا أسئلة جديدة، فلا تقاس قيمة الأعمال بمدي اكتمالها بل بقدرتها علي المغامرة الدرامية والتي تستحق التوقف أمامها، كما أن المخرج محمود عبد التواب كان رائع وللحديث بقية عنه.

