الطريق
جريدة الطريق

حسام النوام يكتب: الدهابة بين البحث عن الذهب ومخاطر التهديد الأمني.. لماذا أصبحت الحدود الجنوبية تحت المجهر؟

-

 

في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع التحديات الأمنية، لم تعد بعض الظواهر العابرة للحدود مجرد أنشطة فردية محدودة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ملفات معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. ومن بين هذه الظواهر تبرز قضية "الدهابة" أو المنقبين عن الذهب بصورة غير شرعية في المناطق الصحراوية والحدودية، والتي أصبحت خلال السنوات الأخيرة محل اهتمام متزايد من أجهزة الدولة والمتابعين للشأن الأمني.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية للحدود الجنوبية لمصر، الممتدة عبر مساحات صحراوية شاسعة، والتي تمثل تحديًا أمنيًا ولوجستيًا كبيرًا لأي دولة في العالم. فهذه المناطق، رغم ما تحتويه من ثروات معدنية وموارد طبيعية، قد تتحول إلى بيئة خصبة لأنشطة التهريب والتسلل والجريمة المنظمة إذا لم تخضع للرقابة والسيطرة الكاملة.

التعدين العشوائي.. نشاط اقتصادي أم بوابة لمخاطر أكبر؟
لا يمكن إنكار أن البحث عن الذهب يمثل مصدر رزق للكثير من الأفراد في بعض الدول الإفريقية، حيث دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة آلاف الشباب إلى العمل في التنقيب العشوائي عن المعادن النفيسة. غير أن المشكلة لا تكمن في النشاط ذاته، وإنما في غياب التنظيم القانوني وتحول بعض المناطق إلى تجمعات ضخمة لأفراد يتحركون خارج الأطر الرسمية للدول.

فعندما تتجمع أعداد كبيرة من الأشخاص في مناطق صحراوية نائية، بعيدًا عن الرقابة المؤسسية، يصبح من الصعب التحقق من هوياتهم أو طبيعة أنشطتهم الحقيقية، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، تبدأ من التهريب ولا تنتهي عند احتمالات تسلل عناصر إجرامية أو مسلحة تستغل هذه البيئة المعقدة لتحقيق أهداف أخرى.

الحدود الجنوبية.. خط الدفاع الأول

لطالما شكلت الحدود المصرية الجنوبية أهمية استراتيجية استثنائية، ليس فقط بسبب طولها واتساعها، ولكن أيضًا بسبب ارتباطها بمحيط إقليمي يشهد في بعض مناطقه تحديات أمنية وسياسية متغيرة.
ومن هنا تأتي أهمية الجهود المستمرة التي تبذلها القوات المسلحة المصرية وأجهزة الدولة المختلفة لتأمين الحدود ومنع أي محاولات للتسلل أو تهريب الأسلحة أو استغلال المناطق 
الصحراوية في أنشطة غير مشروعة.

وقد أثبتت التجارب السابقة أن الجماعات الإجرامية والتنظيمات المسلحة غالبًا ما تبحث عن المناطق الوعرة والنائية لتأسيس شبكاتها أو إنشاء خطوط إمداد وتحرك بعيدًا عن أعين السلطات، وهو ما يجعل اليقظة الأمنية ضرورة دائمة وليست إجراءً مؤقتًا.

حروب الجيل الجديد لا تبدأ بالدبابات

لقد تغيرت طبيعة التهديدات الأمنية في العالم بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش النظامية والمواجهات التقليدية، بل ظهرت أشكال جديدة من التهديدات تعتمد على الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والعناصر غير النظامية التي تتحرك تحت غطاء أنشطة اقتصادية أو إنسانية أو اجتماعية.

ولهذا أصبحت الدول مطالبة بالتعامل مع أي تجمعات غير طبيعية في المناطق الحدودية بحذر شديد، مع الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية والتقنيات الحديثة في الرصد والمتابعة والتحليل.

الثقة في مؤسسات الدولة ضرورة وطنية

في ظل كثرة الشائعات والمعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى المصدر الرسمي هو المرجع الأساسي لفهم حقيقة ما يجري على الأرض. فالأمن القومي لا يحتمل الاجتهادات أو الاستنتاجات غير المبنية على معلومات موثقة.

كما أن دعم مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في أداء واجبها الوطني يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على الاستقرار، خاصة في منطقة إقليمية تشهد تغيرات متسارعة وصراعات ممتدة.

مصر قادرة على حماية حدودها
على مدار العقود الماضية واجهت الدولة المصرية العديد من التحديات الأمنية المعقدة، واستطاعت بفضل مؤسساتها الوطنية وخبراتها المتراكمة أن تحافظ على استقرارها ووحدة أراضيها.
واليوم، ومع استمرار المتغيرات الإقليمية والدولية، تظل حماية الحدود المصرية مسؤولية وطنية كبرى تتطلب اليقظة الدائمة والجاهزية المستمرة، مع إدراك أن أمن مصر لم يكن يومًا قضية تخص مؤسسة بعينها، بل هو مسؤولية وطن يعيش في ظلها أكثر من مئة مليون مواطن.
حفظ الله مصر، وحفظ قواتها المسلحة، وجعل أمنها واستقرارها دائمًا فوق كل اعتبار.