الطريق
جريدة الطريق

رأي قانوني مثير للجدل: تنفيذ إعدام فتاة بورسعيد صُنِف كـ ”انتهاك لسيادة القانون”.. ما القصة؟

المحامي
نيفين مصطفى -

قال الدكتور هاني سامح المحامي أن تنفيذ حكم الإعدام بحق نورهان خليل ، رغم وجود صلح وعفو وتنازل موثقين صادرين من أولياء الدم قبل صيرورة الحكم باتًا، لا يمكن وصفه إلا بأنه انتهاك فج للقانون والدستور ومبادئ العدالة، وإهدار خطير لمبدأ القانون الأصلح للمتهم، وتجاهل غير مبرر لأحدث ما قررته محكمة النقض بشأن أثر الصلح في جرائم القتل العمد.


وأوضح المحامي، في تصريحات خاصة لـ" الطريق" : أن المسألة هنا لا تتعلق بمجرد تنفيذ حكم جنائي بات، ولا بمجادلة في حجية الأحكام، وإنما تتعلق بمشروعية التنفيذ ذاته. فتنفيذ الإعدام في وجود سبب قانوني موثق وسابق على البات، من شأنه الإلزام بتخفيف العقوبة والنزول بها عن الإعدام، يحول التنفيذ من إجراء قانوني إلى إجراء مشوب بمخالفة جسيمة؛ لأنه يقع في وقت كان يجب فيه وقف كل إجراء تنفيذي حتى يُفحص أثر الصلح والعفو والتنازل فحصًا جديًا أمام الجهة المختصة.


وذكر سامح أنه سبق أن تقدم والد نورهان خليل بعريضة رسمية إلى مكتب السيد المستشار النائب العام، قُيدت برقم 1778287، طالب فيها بمقابلة عاجلة ووقف تنفيذ حكم الإعدام، لحين فحص أثر الصلح الموثق والقانون الأصلح للمتهم. كما تضمنت العريضة طلبًا احتياطيًا بحضور الدفاع لأي إجراء تنفيذي، عملًا بالمادة 474  من قانون الإجراءات الجنائية، لإثبات الاعتراضات والتحفظات والطلبات بمحضر رسمي  . وذكر أن التنفيذ تم رغم وجود إلتماسات إعادة نظر محظور قانونا التنفيذ اثناء فحصها وتحقيقها.


وقال سامح إن المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 استحدثت أثرًا مباشرًا للصلح في جرائم القتل العمد، ورتبت عليه تخفيف العقوبة وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات. وهذا النص ليس نصًا شكليًا أو إجرائيًا مجردًا، بل نص يمس العقوبة ذاتها، ويقيد سلطة الدولة في توقيع العقوبة الأشد متى تحقق الصلح على النحو القانوني.


وقد أكدت محكمة النقض في الطعن رقم 19687 لسنة 93 ق أن المادة 22 تمثل قانونًا أصلح للمتهم، وأن أثر القانون الأصلح يبدأ من تاريخ صدوره ونشره، ولو أرجئ تاريخ العمل العام به. ثم طبقت محكمة النقض هذا المبدأ عمليًا في الطعن رقم 11458 لسنة 94 ق، وانتهت إلى النزول عن عقوبة الإعدام إلى عقوبات سالبة للحرية بعد ثبوت صلح ورثة المجني عليه.
ومن ثم فإن تنفيذ حكم الإعدام رغم الصلح الموثق السابق على البات يمثل مصادرة صريحة لأثر المادة 22، وإفراغًا لمبدأ القانون الأصلح للمتهم من مضمونه، ومخالفة لما استقر عليه أحدث قضاء لمحكمة النقض. فالدولة لا يجوز أن تنفذ العقوبة الأشد في وقت قام فيه سبب قانوني موثق يفتح طريق تخفيفها.


الأخطر وفق هاني سامح أن التنفيذ في هذه الظروف لا يهدر حق نورهان وحدها، بل يهدر كذلك الأثر القانوني للصلح ذاته، ويغلق بابًا فتحه المشرع وقررت محكمة النقض أثره. فبدلًا من أن ينتج الصلح أثره في حماية الحياة وتخفيف العقوبة، تم تجاوزه بتنفيذ لا رجعة فيه، بما يجعل النص القانوني الجديد بلا قيمة عملية في أخطر لحظة يحتاج فيها إلى التطبيق.


كما أن تنفيذ الإعدام رغم طلب حضور الدفاع لأي إجراء تنفيذي يثير تساؤلات جدية حول احترام الضمانات القانونية في مرحلة التنفيذ، وحول سبب عدم تمكين الدفاع من إثبات اعتراضاته وتحفظاته بمحضر رسمي، وحول مدى فحص العريضة رقم 1778287  قبل إتمام التنفيذ، وحول ما إذا كانت مستندات الصلح والعفو والتنازل قد عرضت فعلًا على الجهة المختصة وفُحص أثرها في ضوء القانون الجديد وأحكام النقض الحديثة.


وقال سامح أن ما جرى يمثل مخالفة فجة لمبدأ سيادة القانون، وللحق في الحياة، ولضمانات العدالة، ولمبدأ عدم تعطيل جوهر الحقوق، ولمبدأ التفسير الاحترازي لصالح الإنسان، الذي يوجب في مسائل الإعدام ترجيح المسار الذي يصون الحياة متى وجد سبب قانوني جدي قد يؤدي إلى تخفيف العقوبة.


تنفيذ الإعدام لا ينهي المسئولية، بل يفتح باب المساءلة عن مشروعية التنفيذ، وعن سبب تجاهل الصلح الموثق، وطلبات وقف التنفيذ، وحق الدفاع في الحضور، وأحكام محكمة النقض الحديثة، والقانون الأصلح للمتهم.


وأكد سامح أن من حق أسرة نورهان خليل المطالبة بالتعويضات المدنية الضخمة والجابرة عمّا لحق بها من أضرار مادية وأدبية ، نتيجة تنفيذ مشوب بمخالفة جسيمة للقانون والدستور وأحكام محكمة النقض الحديثة لأن التنفيذ تم رغم وجود صلح موثق سابق على الحكم البات، ورغم تقديم عرائض وطلبات وقف التنفيذ، ورغم طلب حضور الدفاع، ورغم قيام قانون أصلح للمتهم كان يوجب فحص أثره قبل إزهاق الحياة. وشدد على أن التعويض، مهما بلغ، لن يعيد الحياة ولن يجبر الفقد، لكنه يصبح طريقًا لازمًا للمساءلة وكشف أوجه الخلل ومنع تكرار إعدام أي إنسان قبل استنفاد ضماناته القانونية والحقوقية.