الطريق
جريدة الطريق

دكتور أحمد السعودي يكتب: الدولة التي تحارب بعقلها.. وتنتصر بروح شعبها

الدكتور أحمد السعودي خبير النظم السياسية والتشريعية
-

تتزامن ذكرى 3 يوليو هذا العام مع حدثين يعكسان وجهين لعملة واحدة اسمها "الإرادة المصرية"، الأول افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية "الأوكتاغون" بالعاصمة الإدارية الجديدة، والثاني، تأهل المنتخب الوطني لكرة القدم إلى دور الـ16 لكأس العالم، مشهدان مختلفان في الشكل، متطابقان في الجوهر: دولة قررت أن تلعب على كل الجبهات.. عسكرياً، سياسياً، ورياضياً.

1. "الأوكتاغون".. عقل الدولة في مواجهة الحرب الهجينة

في خطوة تُعد نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية المصرية، دشّنت الدولة المصرية مقر القيادة الاستراتيجية الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة، المقر الضخم المعروف بـ«الأوكتاغون»، لا يمثل مجرد مبنى إداري، بل هو تجسيد لعقيدة دفاعية جديدة تواكب متغيرات القرن الحادي والعشرين، وعلى رأسها الحرب الهجينة.

مقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاغون".. عقل مصر الجديد في مواجهة الحرب الهجينة

ما هي الحرب الهجينة ولماذا تستدعي "عقلاً جديداً"؟

الحرب الهجينة لم تعد مواجهة بالدبابات والطائرات فقط، هي مزيج معقد من الحرب السيبرانية عبر اختراق البنية التحتية الحيوية، البنوك، الكهرباء، والمياه، وحرب المعلومات ممثلة في الشائعات، التفكيك المجتمعي، الحروب النفسية عبر السوشيال ميديا، وحرب الوكالة عبر دعم جماعات مسلحة وميليشيات على الحدود، والضغط الاقتصادي عبر حصار، عقوبات، واستهداف قناة السويس.

العمليات التقليدية كملاذ أخير بعد استنزاف الدولة.

هذا النوع من الحروب يتطلب سرعة اتخاذ قرار بالثانية، وتكامل معلوماتي لحظي بين كل أجهزة الدولة، وهنا يأتي دور "الأوكتاغون".

"الأوكتاغون".. من قيادة جيش إلى قيادة "دولة"

هنا تظهر أهمية المقر الجديد. فـ«الأوكتاغون» ليس غرفة عمليات عسكرية تقليدية. هو مركز إدارة أزمات للدولة المصرية بالكامل، غرفة عمليات موحدة تربط وزارة الدفاع، الداخلية، المخابرات، الكهرباء، الاتصالات، الصحة، التموين، ومجلس الوزراء في شبكة واحدة. القرار لم يعد عسكرياً فقط، بل قرار دولة، ونظام إنذار مبكر متكامل يرصد الحملة الإعلامية كما يرصد التحرك العسكري، ويحلل الهجمة السيبرانية كما يحلل التهديد على الحدود، ومركز إدارة أزمات مدنية مخصص للتعامل مع الكوارث الطبيعية، أزمات السلع، وانقطاع المرافق، بنفس كفاءة التعامل مع التهديد العسكري.

الركيزة الأهم: "الجبهة الداخلية" المسلحة بالوعي

من منطلق أن المستهدف هو الدولة كلها فالحل هو أن الدولة كلها تشارك في الدفاع، وهذا هو أخطر ما يعالجه التخطيط داخل "الأوكتاغون" حالياً عبر تدريب وتأهيل المدنيين لمواجهة الحرب الهجينة جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة وذلك بالآتي:

التدريب على الأمن السيبراني: توعية المواطنين والموظفين بكيفية تأمين بياناتهم وعدم الوقوع في فخ الاختراقات والتصيد.

التدريب على مواجهة الشائعات: بناء مناعة مجتمعية عبر الإعلام ومراكز الشباب والجامعات، لتعليم المواطن كيف يتحقق من الخبر قبل نشره.

التدريب على إدارة الأزمات: خطط إخلاء، تأمين احتياجات أساسية، ودور المجتمع المدني في الأزمات، لضمان استمرار الحياة حتى في أسوأ السيناريوهات.

دور الإعلام والجامعات المجتمع المدني: كخط دفاع أول في معركة الوعي، وتحويل المواطن من متلقي سلبي إلى عنصر فاعل في الدفاع عن دولته.

العقيدة الجديدة: القوات المسلحة هي الدرع، والشعب الواعي هو السيف، ولا يمكن الفصل بينهما.

الثانى ، 3 يوليو.. إرادة تبني وعقل يخطط وروح تنتصر

تزامن هذه النقلة الاستراتيجية مع ذكرى 3 يوليو، ومع إنجاز رياضي كبير هو تأهل المنتخب المصري إلى دور الـ16 لكأس العالم، والعلاقة بينهما ليست رمزية فقط، هي علاقة "منهج".

"الأوكتاغون" هو المنتخب في مواجهة التهديدات: يحتاج خطة، وقيادة، وروح جماعية، وإيمان.

والمنتخب في المونديال هو "الأوكتاغون" في مواجهة العالم: يواجه ضغوطاً، ويعمل كفريق، ويرفع اسم مصر.

الاثنان يقولان للعالم: هذه هي مصر الجديدة، دولة تبني عقلاً استراتيجياً لتحمي حاضرها، وتصنع منتخباً عالمياً لتصنع مستقبلها.

الخلاصة

إن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاغون" هو إعلان صريح بأن الدولة المصرية تدرك طبيعة التهديدات وتستعد لها، وهو رسالة ردع لكل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر، ورسالة طمأنينة لكل مواطن بأن دولته تمتلك عقلاً يفكر لها ويحميها، وفي زمن الحرب الهجينة، لم يعد هناك متفرجون، وكل مواطن هو جندي في جبهة، جندي في جبهة الإنتاج، وجبهة الوعي، وجبهة الدفاع عن اسم هذا الوطن، فالدولة التي تبني "الأوكتاغون" للقيادة، وتصنع منتخباً للعالمية، هي دولة قد اختارت طريقها: طريق القوة، والعلم، والإرادة.