زكريا محيي الدين.. مؤسس المخابرات العامة المصرية «مصيدة الجواسيس»

لا تُبنى الدول الحديثة بالقوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تمتلك القدرة على استشراف المخاطر، وحماية الأمن القومي، وتوفير المعلومات الدقيقة لصانع القرار. ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة إنشاء المخابرات العامة المصرية في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952، كواحدة من أهم خطوات بناء الدولة الحديثة، وكان على رأس هذا المشروع الوطني أحد أبرز رجال الثورة وأكثرهم انضباطًا وكفاءة، وهو زكريا محيي الدين.
جاءت فكرة إنشاء جهاز استخبارات وطني في مرحلة كانت مصر تواجه فيها تحديات مصيرية؛ فالاحتلال البريطاني لا يزال جاثمًا على منطقة قناة السويس، والصراع مع إسرائيل يزداد تعقيدًا بعد حرب فلسطين عام 1948، فيما فرضت الحرب الباردة واقعًا دوليًا جديدًا أصبحت فيه المعلومات سلاحًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الجيوش والأسلحة.
في ظل تلك المتغيرات، أدركت القيادة المصرية برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر أن حماية الدولة لم تعد تقتصر على امتلاك جيش قوي، بل تستوجب إنشاء جهاز متخصص يجمع المعلومات، ويحللها، ويرصد الأخطار قبل وقوعها، ويضع أمام القيادة السياسية تقديرات دقيقة تساعدها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
ولم يكن اختيار زكريا محيي الدين لهذه المهمة مصادفة؛ فقد جمع بين الخبرة العسكرية والقدرة الإدارية والانضباط التنظيمي. تخرج في الكلية الحربية عام 1938، وشارك في حرب فلسطين، وكان من الضباط الأحرار الذين أسهموا في نجاح ثورة يوليو، ثم تولى وزارة الداخلية، حيث نجح في إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية وإرساء قواعد العمل المؤسسي.
بدأ زكريا محيي الدين تنفيذ مشروعه بعيدًا عن الأضواء، واضعًا تصورًا شاملًا لجهاز استخباراتي حديث يقوم على الاحترافية والسرية والكفاءة. فوضع الهيكل التنظيمي، وحدد الاختصاصات، وأرسى معايير دقيقة لاختيار الضباط والعاملين، مع التركيز على النزاهة، والقدرة على التحليل، والانضباط، والعمل في إطار من السرية المطلقة.
ولم يقتصر دوره على وضع البناء الإداري، بل أولى اهتمامًا بالغًا بإعداد الكوادر البشرية، من خلال برامج تدريب متخصصة في جمع المعلومات، وتحليلها، ومكافحة التجسس، وأساليب العمل الاستخباراتي الحديثة، ليؤسس بذلك مدرسة مصرية في العمل الاستخباراتي أصبحت فيما بعد من أكثر المدارس احترافًا في المنطقة.
ومع اكتمال مرحلة التأسيس خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي، بدأت المخابرات العامة المصرية ممارسة دورها الرسمي كإحدى أهم مؤسسات الدولة، لتتولى حماية الأمن القومي، وكشف محاولات التجسس والاختراق، ودعم القيادة السياسية والعسكرية بالمعلومات والتقديرات الاستراتيجية، حتى أصبحت مع مرور الوقت واحدة من أكثر أجهزة الاستخبارات كفاءة في العالم العربي.
ويختلط الأمر على البعض بين دور زكريا محيي الدين ودور اللواء صلاح نصر، إلا أن الدراسات التاريخية تميز بين المرحلتين؛ فزكريا محيي الدين هو مهندس التأسيس وواضع الهيكل التنظيمي للجهاز، بينما تولى صلاح نصر قيادته بعد اكتمال بنائه المؤسسي، وقاد مرحلة التوسع في نشاطه خلال السنوات التالية.
وقد أثبتت العقود اللاحقة أن قرار إنشاء المخابرات العامة كان من أنجح القرارات الاستراتيجية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، إذ نجح الجهاز في إحباط العديد من عمليات التجسس، وكشف شبكات معادية، وحماية المصالح المصرية في الداخل والخارج، حتى استحق عن جدارة أن يُعرف في الوعي الشعبي والإعلامي بـ"مصيدة الجواسيس".
ورغم أن زكريا محيي الدين لم يكن من أكثر رجال الثورة ظهورًا في وسائل الإعلام، فإنه كان من أكثرهم تأثيرًا في بناء مؤسسات الدولة. فقد آمن بأن الدول القوية تُبنى بالمؤسسات، وأن المعلومة الدقيقة قد تحسم معركة قبل أن تبدأ، وأن العمل في صمت قد يكون أعظم أثرًا من الظهور في الأضواء.
وهكذا، يبقى زكريا محيي الدين واحدًا من بناة الدولة المصرية الحديثة، وصاحب الفضل في وضع الأساس الذي قامت عليه المخابرات العامة المصرية، لتظل على مدار عقود درعًا يحمي الوطن، وعينًا ساهرة على أمنه واستقراره، وسدًا منيعًا في مواجهة كل من يحاول المساس بمصر.
حفظ الله مصر، قيادةً وشعبًا، وجعلها دائمًا آمنةً مستقرة، عصيةً على كل من يتربص بها سوءًا. علاءالدماصي. مستشار إعلامي ومحاضر وباحث أكاديمي

