سعيد السعيطي: تملك الأجانب للعقار قد يتحول من فرصة استثمارية إلى ثغرة استراتيجية بلا ضوابط

أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة، أن ملف تملك غير المصريين للعقارات في مصر لا يجب أن يُناقش بمنطق الرفض المطلق أو الترحيب المفتوح، مشيرًا إلى أن الإدارة الاستراتيجية لا تتعامل مع الاستثمار الأجنبي باعتباره خطرًا في ذاته، ولا تعتبره فرصة مضمونة بلا ضوابط، بل تنظر إليه من زاوية أكثر عمقًا: متى تتحول الفرصة الاقتصادية إلى ثغرة استراتيجية؟
وأوضح السعيطي أن القضية ليست في أن يشتري أجنبي وحدة سكنية بغرض الإقامة أو الاستثمار المنضبط، وإنما في غياب الأسئلة الحاكمة لهذا الملف: من يشتري؟ وكم يشتري؟ وأين يشتري؟ ولماذا يشتري؟ وما مصدر أمواله؟ وهل سيتم استخدام الوحدة فعليًا أم ستظل مغلقة؟ وهل هذا الشراء يضيف للسوق العقاري أم يضغط عليه؟
وأشار خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن هناك فارقًا جوهريًا بين أجنبي مقيم يشتري وحدة واحدة للسكن، وبين فرد أو شركة أو صندوق يستحوذ على عدد كبير من الوحدات في منطقة محددة. كما أن هناك فرقًا واضحًا بين شراء وحدة جديدة تضيف إلى المعروض العقاري، وبين شراء وحدة قائمة في سوق يعاني بالفعل من ضغوط على القدرة الشرائية وتوازن العرض والطلب.
وأضاف السعيطي أن العقار ليس سلعة عادية يمكن التعامل معها كأي أصل تجاري، لأنه يرتبط بحق السكن، وتوازن المدن، واستقرار الطبقة الوسطى، وتكلفة المعيشة، وهوية بعض المناطق، وقدرة المواطن على الوصول إلى مسكن مناسب. ولذلك فإن فتح السوق العقاري بلا ضوابط دقيقة قد يحول فرصة جذب العملة والاستثمار إلى ضغط صامت على المجتمع.
وأكد خبير التميز المؤسسي والاستدامة أن الخطر لا يظهر حين يشتري غير مصري وحدة محدودة وواضحة الغرض، بل يظهر حين يتحول العقار إلى قناة لتخزين القيمة، أو المضاربة، أو ترك الوحدات مغلقة، أو خلق تركزات جغرافية في مناطق بعينها. وعندها لا يصبح الملف مجرد بيع وشراء، بل يتحول إلى قضية تمس العدالة السكنية، والسيادة الاقتصادية، وإدارة المدن، وحساسية بعض المواقع.
ولفت السعيطي إلى أن التجارب العالمية تؤكد أن الدول المنفتحة على الاستثمار الأجنبي لم تترك سوق السكن بلا تنظيم، بل وضعت قيودًا وضوابط عندما ظهر أن رأس المال الخارجي قد يضغط على أسعار العقارات أو يزاحم المواطنين أو يدفع السكان خارج مناطقهم الأصلية. فالدول التي تحترم الاستثمار تضع في الوقت نفسه قواعد واضحة لحماية حق السكن وتوازن المدن.
وأوضح خبير الإدارة الاستراتيجية أن كندا اتجهت إلى تمديد حظر شراء بعض العقارات السكنية على غير الكنديين حتى يناير 2027 ضمن سياسة تستهدف تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن، وهو ما يعكس إدراكًا بأن السوق السكني إذا تُرك مفتوحًا بلا ضبط قد يتحول إلى عبء على المواطنين.
وأشار السعيطي إلى أن أستراليا قدمت نموذجًا مهمًا في التفرقة بين الاستثمار المنتج والاستثمار الضاغط، إذ اتجهت إلى تقييد شراء الأجانب للمساكن القائمة، مع الإبقاء على استثناءات ترتبط بزيادة المعروض السكني أو التطوير. والمعنى هنا أن الدولة لا ترفض الاستثمار الأجنبي، لكنها تفرق بين استثمار يضيف للسوق، واستثمار يزاحم المواطنين على المعروض القائم.
وأضاف خبير التميز المؤسسي أن التجربة الإسبانية، خاصة في برشلونة، كشفت جانبًا آخر من مخاطر ترك العقار بلا تنظيم، حيث تحولت الشقق السياحية والإيجارات قصيرة الأجل إلى عامل ضغط على أسعار السكن واستقرار السكان داخل أحيائهم، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من أثر هذا النشاط على السوق السكني.
وأكد السعيطي أن هذه الدول لم تتحرك لأنها ضد الأجانب، بل لأنها فهمت أن العقار حين يُترك بلا ضبط قد يتحول من أصل اقتصادي إلى مصدر اختلال اجتماعي. فعندما يختل سوق العقار، لا ترتفع الأسعار فقط، بل يختل التوازن بين المواطن والمدينة، وبين السكان والمستثمرين، وبين حق السكن ومنطق الربح السريع.
وشدد خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة على أن ارتفاع الطلب الأجنبي على العقار قد يؤدي في بعض الحالات إلى ربط الأسعار بقدرة رأس المال الخارجي، لا بقدرة المواطنين المحليين، خاصة عندما يكون المشتري الأجنبي قادرًا على الدفع بعملة أقوى أو بأسعار أعلى من متوسط القدرة الشرائية المحلية. وهنا قد يجد المواطن نفسه غير قادر على شراء وحدة في مدينته، رغم توافر وحدات كثيرة حوله.
وأوضح السعيطي أن هذا الخطر لا يقتصر على أسعار البيع فقط، بل يمتد إلى الإيجارات أيضًا، لأن ارتفاع أسعار الوحدات ينعكس غالبًا على تكلفة السكن، ويضغط على الشباب والأسر متوسطة ومحدودة الدخل، ويزيد الفجوة بين نمو الدخول المحلية ونمو أسعار العقارات.
وأشار خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن أحد أخطر مظاهر غياب الضبط هو تكوين فقاعات عقارية ومضاربات غير مرتبطة بالطلب الحقيقي على السكن. فعندما يتحول العقار إلى أداة لحفظ القيمة أو المضاربة فقط، يتم تداول الوحدة أكثر من مرة دون استخدامها فعليًا، وترتفع الأسعار بطريقة لا تعكس احتياجًا سكنيًا حقيقيًا، بل تعكس حركة أموال تبحث عن أصل آمن أو ربح سريع.
وأضاف السعيطي أن ترك الوحدات مغلقة لفترات طويلة يمثل استخدامًا غير كفء للموارد، لأن الدولة تستثمر في طرق ومرافق وكهرباء ومياه وصرف وخدمات عامة، بينما لا تتحول هذه الاستثمارات إلى حياة عمرانية حقيقية. وقد تظهر مناطق ذات كثافة عمرانية مرتفعة، لكنها منخفضة الإشغال، وهو ما يضعف كفاءة المدن ويحول العقار من وظيفة اجتماعية واقتصادية إلى مجرد مخزن للقيمة.
ولفت خبير التميز المؤسسي إلى أن تحويل الوحدات السكنية إلى نشاط سياحي غير منظم يمثل خطرًا آخر، خاصة في المناطق ذات الجذب السياحي أو الساحلي أو التاريخي. فإذا أصبح تأجير الوحدة للسائح أكثر ربحية من تأجيرها للسكن الدائم، قد يتم سحب جزء من المعروض السكني من السوق، وترتفع الإيجارات، ويتغير طابع بعض المناطق، ويُدفع السكان تدريجيًا خارج أحيائهم.
وأكد خبير الاستدامة أن هناك زاوية أكثر حساسية في هذا الملف، وهي غسل الأموال، موضحًا أن العقار عالميًا من القطاعات التي تحتاج إلى شفافية عالية في معرفة المالك المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال والغرض من الشراء، خاصة عند استخدام شركات واجهة أو هياكل ملكية معقدة أو عمليات شراء متكررة دون وضوح اقتصادي.
وشدد السعيطي على أن السؤال لا يجب أن يتوقف عند اسم المشتري الموجود في العقد، بل يجب أن يمتد إلى معرفة من يقف خلفه فعليًا، ومن أين جاءت الأموال، ولماذا تركزت الملكية في منطقة بعينها، وهل هناك استخدام حقيقي للوحدة، أم أن الأمر مجرد تخزين قيمة أو مضاربة أو قناة لتمرير أموال غير واضحة المصدر.
وأوضح خبير الإدارة الاستراتيجية أن المشكلة في مصر ليست في وجود غير مصريين يشترون وحدات عقارية، وإنما في ضرورة وجود نقاش جاد حول حجم الملكية، ودرجة التركز، وطبيعة الاستخدام، ومصدر الأموال، والمناطق المسموح بها، ونسبة التملك في كل نطاق جغرافي. فقد تبدو الملكية الأجنبية محدودة على مستوى الجمهورية، لكنها قد تكون مؤثرة أو حساسة في مناطق محددة أو داخل تجمعات بعينها.
وأضاف السعيطي أن التركز الجغرافي قد يكون أخطر من الحجم الإجمالي للملكية، لأن المخاطر الاستراتيجية لا تُقاس فقط بعدد الوحدات المملوكة لغير المصريين على مستوى الدولة، بل تُقاس أيضًا بنسبة وجودها في منطقة بعينها، وطبيعة هذه المنطقة، وقربها من مواقع حساسة، وتأثيرها على أسعار السكن والخدمات وهوية المكان.
وأشار خبير التميز المؤسسي إلى أن الاعتبارات الأمنية لا يمكن فصلها عن هذا الملف، لأن المناطق القريبة من الحدود أو المنشآت الحيوية أو الممرات الاستراتيجية أو المواقع ذات الحساسية الخاصة لا ينبغي أن تخضع لنفس قواعد التملك في المناطق العادية. فالدول التي تحترم الاستثمار تضع في الوقت نفسه قواعد مختلفة للمناطق الحساسة.
وأكد السعيطي أن الاعتماد على بيع العقارات كمصدر للعملة الأجنبية يحتاج إلى تقييم استراتيجي دقيق، لأنه يوفر تدفقًا نقديًا لمرة واحدة، بخلاف الاستثمار الإنتاجي الذي يولد قيمة مضافة مستدامة وفرص عمل وتصديرًا وتشغيلًا. ولذلك لا يجب أن يتحول العقار إلى بديل سهل عن جذب الاستثمار الصناعي أو الزراعي أو التكنولوجي المنتج.
ولفت خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن ربط شراء العقار بالإقامة أو المزايا القانونية يحتاج إلى ضوابط شديدة الوضوح، لأن الهدف من الاستثمار قد يتحول في هذه الحالة من إضافة قيمة اقتصادية حقيقية إلى مجرد الحصول على ميزة قانونية. وقد اضطرت دول عديدة إلى مراجعة برامج الإقامة مقابل الاستثمار عندما ظهرت مخاطر مرتبطة بغسل الأموال أو ضعف الشفافية أو الضغط على سوق السكن.
وأشار السعيطي إلى أن وجود إطار مسبق وعادل وشفاف لتملك غير المصريين لا يحمي سوق العقار فقط، بل يحمي أيضًا موقف الدولة السياسي والإنساني من أي التباس أو ضغط خارجي، خاصة في الملفات ذات الحساسية الإقليمية والإنسانية. فالضوابط العامة التي تُطبق على الجميع وفق الموقع، والغرض، ومصدر الأموال، وحجم الملكية، ونسبة التركز، تمنع تحويل ملف السكن إلى مدخل للضغط أو الابتزاز أو سوء الفهم.
وأوضح خبير التميز المؤسسي أن بعض الأزمات المتداولة حول المجتمعات العقارية والسياحية المغلقة تطرح سؤالًا أعمق من أي خلاف بين مطور ومالك، وهو ضرورة أن تظل سيادة الدولة والقانون العام وحقوق الملاك فوق أي لائحة داخلية، وأن تكون المجتمعات المغلقة جزءًا من النطاق العمراني المنظم للدولة، لا جزرًا خاصة تُدار بمنطق منفصل عن المصلحة العامة.
وأضاف السعيطي أن أصل المشكلة هو غياب البيانات الكافية لإدارة الملف بدقة. فقبل إصدار أي قرار أو تقييم أي خطر، يجب أن تكون هناك قاعدة بيانات واضحة توضح عدد الوحدات المملوكة لغير المصريين، وتوزيعها الجغرافي، والجنسيات المالكة، وطبيعة الملكية، وهل هي لأفراد أم شركات، ومن هو المالك المستفيد الحقيقي، ونسبة الإشغال الفعلي، ونسبة الاستخدام السياحي أو الاستثماري.
وأكد خبير الإدارة الاستراتيجية أن السياسات السكنية الناجحة لا تُبنى على الشعارات أو الانطباعات، بل على البيانات، ومؤشرات الإنذار المبكر، ونسب التركز، واتجاهات الأسعار، وقدرة المواطنين على تحمل تكلفة السكن. فغياب البيانات لا يعني غياب المشكلة، بل يعني فقط أننا لا نراها في توقيتها الصحيح.
وأشار السعيطي إلى أن الحل لا يكمن في المنع الكامل أو الإتاحة المطلقة، بل في إدارة ذكية قائمة على المخاطر، تفرق بين الاستثمار المنتج والاستثمار الضاغط، وبين التملك الفردي الطبيعي والتملك الواسع أو المتكرر، وبين المناطق العادية والمناطق الحساسة، وبين شراء يضيف للاقتصاد وشراء يخلق اختلالًا في السوق.
وأوضح خبير التميز المؤسسي أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى سجل واضح للمالك المستفيد الحقيقي، وتحقق صارم من مصادر الأموال، وحدود للتملك في المناطق الحساسة، ومراقبة دقيقة للتركز الجغرافي، وتنظيم للإيجار السياحي قصير الأجل، وفرض تكلفة على الوحدات الشاغرة لفترات طويلة، مع تشجيع الاستثمار الذي يضيف إلى المعروض السكني بدلًا من الاستثمار الذي يسحب من المعروض القائم.
وشدد السعيطي على أهمية توجيه جزء من العوائد الناتجة عن تملك غير المصريين أو الرسوم المرتبطة به إلى دعم الإسكان المتوسط والبنية التحتية وتحسين كفاءة المدن، حتى لا يتحول الملف إلى بيع أصول فقط، بل إلى مورد منظم يعيد جزءًا من قيمته إلى المجتمع والسوق.
وأضاف خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة أن مصر تحتاج في هذا الملف إلى إدارة مخاطر لا إلى مواقف عاطفية، لأن الاستثمار الأجنبي في العقار قد يكون مفيدًا إذا أضاف قيمة حقيقية، وقد يكون ضاغطًا إذا زاحم المواطنين على المعروض القائم، وقد يكون خطرًا إذا ارتبط بتركزات غير واضحة أو أموال غير معلومة المصدر أو مناطق ذات حساسية استراتيجية.
واختتم الدكتور سعيد السعيطي بالتأكيد على أن تملك الأجانب للعقار في مصر يمكن أن يكون فرصة استثمارية إذا أُدير بمنطق واضح وشفاف، لكنه قد يتحول إلى ثغرة استراتيجية إذا تُرك بلا ضوابط. ومن ثم فإن القضية ليست أجنبيًا أم مصريًا، بل هل السوق منظم أم متروك؟ وهل الاستثمار منتج أم ضاغط؟ وهل الدولة تدير الملف استراتيجيًا أم تبيع الأصل ثم تترك المجتمع يتحمل النتائج؟ فالقاعدة الأصح هي: نرحب بالاستثمار الذي يضيف قيمة، وننظم الاستثمار الذي يضغط على السوق، ونمنع الاستثمار الذي يهدد السيادة أو الاستقرار أو حق المواطن في السكن.

