الطريق
جريدة الطريق

البيئة بين حرائق الغابات والسوبر نينو والحروب العالمية

الدكتور وفيق نصير
-


​في وقت تتداخل فيه الأزمات المناخية مع الصراعات الجيوسياسية، يصبح السؤال عن مصير البيئة هو نفسه السؤال عن مصير الإنسان. التقينا بالدكتور وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، لنناقش معه تفاصيل هذا المشهد المعقد، بداية من الحرائق التي تلتهم الغابات، مروراً بالظواهر المناخية الحادة مثل "السوبر نينو"، وصولاً إلى ما أحدثته الحروب العالمية في التوازن البيئي لكوكب الأرض.
​س: سيادة الدكتور، لو بدأنا من الصورة الكبيرة.. كيف تشوف وضع البيئة عالمياً في الوقت الحالي؟
​ج: إحنا عايشين النهاردة في مرحلة ممكن نسميها "عقد الغموض المناخي". المنظومة البيئية مابقتش تتعامل مع أزمات منفصلة، لكن مع مشاكل متداخلة ومترتبة على بعضها. ارتفاع حرارة الكوكب عدى حاجز الـ 1.5 درجة مئوية في أكتر من سنة، وبدأنا نشوف انهيارات في أنظمة بيئية فضلت مستقرة لسنين طويلة، زي التنوع البيولوجي في المناطق القطبية وذوبان الجليد بمعدلات غير مسبوقة. الكلام ده مش عن المستقبل، ده واقع عايشينه حالياً، وأي تأخير في التحرك الجاد معناه إننا بنفرط في حقوق الأجيال اللي جاية.
​س: حرائق الغابات بقت خبر مكرر تقريباً في النشرات.. إيه اللي بيخليها النهاردة أخطر من زمان؟
​ج: فيه تلات تحولات رئيسية خليتها أشد خطورة:
​الأول: اتساع المساحات، الموضوّع مابقاش محصور في أماكن معينة، ده امتد لسيبيريا وأمريكا الجنوبية وحوض المتوسط.
​التاني: كثافتها وتكرارها، الغابات مابقتش لحقة تتعافى بين كل موسم والتاني.
​التالت (وهو الأخطر): إنها تحولت من مجرد ظاهرة بيئية لأزمة مناخية واقتصادية واجتماعية، بتتسبب في نزوح السكان، وخسائر زراعية بالمليارات، وتلوث هوا بيمتد لآلاف الكيلومترات. الحرائق دي تعتبر جرس إنذار مبكر لانتكاسة المنظومة المناخية كلها.
​س: مصطلح "السوبر نينو" بدأ يتردد كتير مؤخراً.. إيه المقصود بيه، وإيه خطورته على المنطقة العربية والعالم؟
​ج: "السوبر نينو" هو شكل متطرف من ظاهرة "النينو" المعروفة، وبيحصل لما ترتفع درجة حرارة سطح المحيط الهادئ بشكل غير عادي، وده بيلخبط أنماط الطقس في العالم كله. خطورته مش بس على الدول المطلة على المحيط الهادئ، لكنها بتوصل للمنطقة العربية في شكل موجات حر قياسية، وجفاف طويل بيهدد الأمن المائي والغذائي، وعواصف رعدية غير معتادة، وارتفاع منسوب البحر اللي بيهدد المدن الساحلية. اختصاراً، السوبر نينو مش مجرد تقلب جوي عابر، ده محرك بيضاعف الأزمات المناخية الموجودة بالفعل.
​س: لو اتنقلنا لنقطة تانية مرتبطة بالأزمة.. إيه الأثر البيئي للحروب العالمية، وازاي العالم اتعامل مع البعد ده؟
​ج: الحروب سابت إرث بيئي تقيل لسه موجود في التربة والمية والهوا. بداية من الغازات الكيماوية في الحرب العالمية الأولى، للقنبلتين النوويتين في الحرب الثانية، وتدمير البنية التحتية والمرافق النفطية والزراعية. ورغم إن العالم أخد خطوات مهمة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الدولية، إلا إن الحروب الحديثة أثبتت إن البيئة لسه بتستخدم كأداة ضغط، وتدمير مصادر المية والحقول بقى جزء من خطط الصراع. اللي محتاجينه فعلياً النهاردة هو اتفاقية دولية ملزمة تحمي البيئة في مناطق النزاع، زي ما بنحمي التراث الثقافي والإنساني.
​س: ختاماً يا دكتور.. إيه الرسالة اللي تحب توجهها لصناع القرار وللناس بشكل عام؟
​ج: رسالتي شقين:
​لصناع القرار: ملف البيئة مابقاش رفاهية أو عمل خيري، ده ملف أمن قومي وإنساني المباشر، والاستثمار فيه مش تكلفة، ده استثمار مادي ومستدام.
​وللجمهور: التغيير الحقيقي بيبدأ من وعي الفرد اللي بيتحول لضغط مجتمعي، قراراتنا اليومية في استهلاك الطاقة والأكل والمواصلات هي صوت حقيقي في معركة المناخ. الأرض مش هتنظر حد، وإحنا إما نكون جزء من الحل، أو نشهد على الكارثة.