نوح غالي: أم كلثوم كانت قوة ناعمة ومؤسسة وطنية متحركة.. وجولاتها بعد 1967 أثبتت وفاءها

قال الإعلامي نوح غالي، إنه في تمام التاسعة من مساء الخميس الأول من كل شهر، كان الزمن يتوقف في العواصم العربية من المحيط إلى الخليج، والمقاهي ترفع قمة صخبها لتفسح المجال لصوت الراديو، العائلات تختصر التزاماتها اليومية، والشوارع تخلو تدريجيًا من المارة، موضحًا أن هذا الانضباط الجماعي لم يكن وراءه بيان سياسي أو حدث عسكري، بل كانت تقف خلفه سيدة واحدة، حوّلت الغناء من مجرد طرب إلى طقس قومي وتاريخي؛ إنها الفلاحة البسيطة التي أصبحت الست أم كلثوم.
وأوضح الإعلامي نوح غالي، خلال برنامج "تفاصيل الحكاية"، المذاع على قناة "الشمس"، أن الحكاية تبدأ قبل نحو 120 عامًا في قرية صغيرة منسية بمحافظة الدقهلية تُدعى "طماي الزهايرة"، في بيت ريفي بسيط، كان يعيش الشيخ إبراهيم البلتاجي، إمام المسجد والمبتهل الذي يتنقل بين القرى لكسب قوته، وهناك ولدت طفلة سُميت "أم كلثوم"، ولم يكن أحد يتوقع أن هذا الاسم سيصبح لاحقًا المرادف الفني الأبرز في تاريخ العرب، مشيرًا إلى أن الطفلة نشأت في بيئة متدينة، فكان القرآن الكريم أول ما طرق مسامعها، وبدأت تحفظ آياته وتقلد والدها في إنشاده، وهو ما منحها بحسب نقاد الموسيقى أسرار تميزها المستقبلي، مخارج الحروف السليمة، والنفس الطويل، واللفظ الفصيح.
ولفت إلى أن نقطة التحول جاءت عندما مرض الطفل الذي كان يساعد الشيخ إبراهيم في بطانته (فرقة الإنشاد)، وهنا، عرضت الطفلة ذات السنوات العشر المساعدة، وحين غنت صُدم الأب من قوة إحساسها وتمكنها، لكن قيود المجتمع الريفي آنذاك لم تكن تسمح لفتاة باعتلاء مسارح الرجال؛ فما كان من الأب إلا أن ألبسها جلابيه ولادي ووضع على رأسها عمامة، لتنطلق في رحلة جابت بها الموالد والقرى، وسرعان ما بدأ اسمها يتردد كظاهرة صوتية استثنائية.
وأشار إلى أنه في عشرينيات القرن الماضي، كانت القاهرة هي قلب الشرق النابض، مدينة قاسية لا تعترف إلا بالقمم، وعندما وطأت أقدام الفتاة الريفية العاصمة بملابسها البسيطة، كانت الصدمة الثقافية كبيرة، ورغم انبهار الجمهور بصوتها، كان من الواضح أن الموهبة الخام بحاجة إلى صقل لتناسب مسارح العاصمة، وأدركت أم كلثوم مبكرًا أن الفنان ليس مجرد حنجرة، بل هو صورة ذهنية متكاملة، وثقافة، وحضور، مؤكدًا أن هذه المرحلة شهدت ظهور محطتين فارقتين في حياتها، وهما الشيخ أبو العلا محمد الملحن والمنشد الكبير الذي تولى رعايتها فنيًا، وعلمها كيفية اختيار القصائد وتذوق الكلمة والشخصية المسرحية، والشاعر أحمد رامي المثقف الاستثنائي الذي شكّل معها ثنائيًا فكريًا وإنسانيًا فريدًا، وكتب لها أكثر من 100 أغنية نجحت من خلالها في تحويل عواطفه إلى صوت يعيش في وجدان الملايين.
ونوه بأن أم كلثوم بدأت رحلة تطوير شاملة لذاتها؛ تعلمت أصول الإتيكيت، وتعمقت في دراسة اللغة العربية والأدب، وأصبحت مستمعة ومراقبة ذكية لكل ما يدور حولها، مما جعلها تتفوق على جميع مطربات جيلها بعقلها قبل صوتها، وتساءل الكثيرون: كيف لأغنية مدتها الأصلية 40 دقيقة أن تمتد في الحفل الحي إلى أكثر من ساعتين؟، موضحًا أن الإجابة تكمن في حالة السلطنة، فلم تكن حفلات أم كلثوم مجرد أداء موسيقي، بل كانت حالة اندماج كاملة تتحول فيها الست، والفرقة الموسيقية، والجمهور إلى جسد واحد يتنفس معًا، وعندما تصل إلى ذروة التجلي، كانت تعيد المقطع الواحد مرات متعددة، وفي كل مرة بتلوين غامض وإحساس مختلف؛ تارة تمد حرفًا، وتارة تضغط على كلمة، وسط صيحات الجمهور الشهيرة: "عظّمة على عظّمة يا ست".
وأوضح أن صورة أم كلثوم البصرية ارتبطت في أذهان الجماهير بتفاصيل دقيقة أصبحت علامات مسجلة باسمها مثل المنديل الأبيض الذي تمسكه بيدها، والنظارة السوداء، وحركات وجهها وحواجبها التي كانت تترجم اللحن قبل الحنجرة، مشيرًا إلى أن أم كلثوم تجاوزت كونها مطربة لتصبح قوة ناعمة ومؤسسة وطنية متحركة، وعاصرت العهد الملكي وحصلت من الملك فاروق على وسام الكمال، ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952 وتحول مصر إلى الجمهورية، ثارت مخاوف حول منعها من الغناء بسبب ارتباطها بالعهد البائد، إلا أن القيادة الجديدة أدركت سريعًا أن أم كلثوم ليست رمزًا سياسيًا لنظام، بل هي رمز حضاري لمصر، ونشأت علاقة احترام متبادل وثيقة بينها وبين الرئيس جمال عبد الناصر، وغدت الواجهة الثقافية للدولة المصرية في المحافل الدولية.
ولفت إلى أنه تجلى دور أم كلثوم الوطني الأبرز عقب نكسة يونيو 1967؛ حيث لم تقف مكتوفة الأيدي، بل قادت حملة قومية للمقاومة عبر الفن، ونظمت جولات غنائية واسعة شملت عواصم عربية وأوروبية مثل باريس، وبغداد، ودمشق، وبيروت، وخصصت كامل إيرادات هذه الحفلات لصالح المجهود الحربي وإعادة بناء الجيش المصري، مما رسخ مكانتها كرمز للوفاء والانتماء، مشيرًا إلى أنه رغم عبقرية صوتها، لم تكن أم كلثوم بمنأى عن أحكام الزمن؛ حيث بدأ المرض يداهمها في سنواتها الأخيرة، مما أدى إلى تراجع نشاطها الفني، وفي الثالث من فبراير عام 1975، استيقظ العالم العربي على النبأ الصادم رحيل كوكب الشرق.
وأكد أن جنازة أم كلثوم تحولت إلى مشهد أسطوري لم يتكرر كثيرًا في التاريخ الحديث، حيث خرجت ملايين البشر في شوارع القاهرة لتوديعها في بحر من الدموع، في إعلان شعبي بأن مصر لا تودع مجرد مطربة، بل تطوي صفحة من تاريخها الثقافي، موضحًا أنه اليوم، وبعد عقود طويلة على رحيلها، تثبت أم كلثوم أنها كسبت رهان الزمن، تغيرت الوسائط من الأسطوانات وشرايط الكاسيت إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتغيرت الموضة والموسيقى، لكن صوت ابنة طماي الزهايرة لا يزال يتدفق بالحيوية ويجتذب أجيالًا جديدة لم تحضر لها حفلة واحدة، لقد رحل النجوم الذين ملأوا المسارح، وبقيت الست التي ملأت التاريخ.

