الطريق
جريدة الطريق

أبوالحسين غنوم يكتب: محمد السادس.. حين يصبح بناء الدولة فنًا

-

ليست كل الدول التي تمتلك تاريخًا عريقًا تستطيع أنّ تصنع مستقبلًا يليق بذلك التاريخ، فالأمم لا تعيش على أمجاد الماضي، بل على قدرتها على تحويل الإرث الحضاري إلى مشروع للمستقبل.

والتاريخ، مهما كان مشرقًا، لا يمنح أصحابه امتيازًا دائمًا، وإنما يفرض عليهم مسؤوليةً أكبر؛ لأنّ الحفاظ على الدولة أكثر صعوبةً من تأسيسها، وبناء المستقبل أكثر تعقيدًا من استحضار الماضي.

ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة المغربية في عهد الملك محمد السادس جديرةً بالتأمل، ليس لأنها حققت إنجازات اقتصادية أو دبلوماسية فحسب، وإنما لأنّها قدمت نموذجًا عربيًا يقوم على فكرة بناء الدولة قبل إدارة الأزمات، وبناء المؤسسات قبل صناعة الإنجازات، وإنتاج الاستقرار بدلًا من الاكتفاء بإدارته.

فالقادة يصنعون قرارات، أما رجال الدولة فيصنعون مؤسسات تستطيع أنّ تستمر بعدهم، وتنتج الإنجاز بصورة تراكمية، وهذه ربما تكون السمة الأبرز في التجربة المغربية خلال ربع القرن الأخير؛ إذ لم يكن الرهان على مشروع بعينه، وإنما على تأسيس دولة تمتلك القدرة على التكيف مع التحولات الدولية والإقليمية دون أن تفقد هويتها أو تماسكها.

لقد أدرك المغرب مبكرًا أنّ القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن الدول الأكثر ثراءً بالموارد الطبيعية، وإنما الدول الأكثر قدرةً على إدارة مواردها، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمةٍ جيوسياسية، واستثمار الاستقرار بوصفه أصلًا اقتصاديًا وسياسيًا. 

ومن هنا جاء التركيز على تحديث البنية التحتية، وتطوير الموانئ، وربط المملكة بشبكات التجارة العالمية، وتعزيز الصناعة، والاستثمار في الطاقات المتجددة، باعتبارها أدوات لبناء قوة الدولة، لا مجرد مشروعات تنموية منفصلة.

ولعلّ ميناء طنجة المتوسط يمثل أحد أبرز تجليات هذه الرؤية، فلم يعد مجرد مرفق بحري، بل تحول إلى منصة لوجستية عالمية، تُعد من الأكبر في البحر المتوسط وإفريقيا، بطاقة تداول تجاوزت عشرة ملايين حاوية سنويًّا، بما جعل المغرب جزءًا من سلاسل الإمداد الدولية، لا مجرد معبر جغرافي بين القارات. 

كما نجحت المملكة في ترسيخ مكانتها بوصفها أحد أكبر منتجي السيارات في إفريقيا، بإنتاج سنوي تجاوز في بعض الأعوام سبعمائة ألف سيارة، في مؤشر على انتقال الاقتصاد المغربي من الاعتماد على القطاعات التقليدية إلى الصناعات ذات القيمة المضافة.

ولم تقتصر الرؤية على الاقتصاد، بل امتدت إلى بناء نموذج للطاقة المستقبلية، فالمغرب استثمر بصورة مبكرة في الطاقة الشمسية والرياح، ووضع هدفًا يتمثل في أن تشكل مصادر الطاقة المتجددة نحو 52% من القدرة الكهربائية المركبة، إدراكًا منه أنّ أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فقط، وإنما أحد عناصر السيادة الوطنية والتنافسية الدولية.

غير أنّ الإنجاز الحقيقي لا يكمن في هذه المشروعات وحدها، بل في الفلسفة التي تقف خلفها، فقد تعاملت القيادة المغربية مع التنمية باعتبارها جزءًا من مشروع متكامل لبناء الدولة، لا برنامجًا اقتصاديًا منفصلًا، فكل طريق، وميناء، ومنطقة صناعية، وشبكة نقل، كانت لبنةً في إعادة صياغة موقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي.

وينطبق الأمر ذاته على السياسة الخارجية، التي لم تُبنَ على سياسة المحاور، وإنما على تنويع الشراكات، فقد حافظ المغرب على علاقاته التقليدية مع أوروبا، وعزز حضوره في العالم العربي، وفي الوقت نفسه أعاد اكتشاف عمقه الإفريقي، ليس عبر الخطاب السياسي فقط، وإنما من خلال الاستثمارات، والمصارف، والاتصالات، ومشروعات التنمية، وبات من أكبر المستثمرين الأفارقة في غرب القارة، في تعبير عن رؤية تعتبر أنّ النفوذ الاقتصادي أكثر استدامةً من النفوذ السياسي وحده.

وربما يكون الإنجاز الأهم أنّ المغرب نجح في تجنب الثنائيات التي أرهقت كثيرًا من دول المنطقة؛ فلم يجعل انفتاحه على الغرب خصمًا من حضوره الإفريقي، ولم يحول علاقاته العربية إلى قطيعة مع شركائه الدوليين، ولم يربط مصالحه بمحور واحد. لقد اختار سياسة التوازن، وهي سياسة أكثر صعوبةً، لكنها أكثر قدرةً على حماية المصالح الوطنية في عالم يتجه إلى تعدد مراكز القوة.

أما في قضية الصحراء المغربية، فقد اعتمدت المملكة مقاربةً تتجاوز إدارة الملف دبلوماسيًا إلى بناء واقع تنموي جديد، فلم يقتصر التحرك على الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي في إطار الأمم المتحدة، وإنما اقترن باستثمارات واسعة في الأقاليم الجنوبية، وتطوير البنية التحتية، والموانئ، والطرق، بما جعل التنمية أحد أهم أدوات تثبيت السيادة وتعزيز الحضور على الأرض. 

كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في الاعترافات الدولية والدعم لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها أساسًا جادًا وواقعيًا لتسوية النزاع، الأمر الذي عزز الموقف المغربي على الساحة الدولية.

ولم تغب الاعتبارات الأمنية عن هذا المشروع، فقد تعامل المغرب مع الأمن باعتباره أحد أعمدة بناء الدولة، لا مجرد وظيفة للأجهزة الأمنية، لذلك جاء تطوير المنظومة الأمنية متوازيًا مع الإصلاح الديني، وتعزيز الاعتدال، والتعاون الاستخباراتي مع الشركاء الدوليين، حتى أصبحت التجربة المغربية محل اهتمام في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، ليس فقط داخل المنطقة، وإنما في دوائر دولية متعددة.

إنّ الفارق بين إدارة الدولة وبناء الدولة هو الفارق بين من يعالج أزمات الحاضر، ومن يُؤسس لقدرة الدولة على مواجهة المستقبل، ويبدو أنّ الملك محمد السادس اختار منذ بداية عهده الرهان على الخيار الثاني؛ فالإصلاحات المؤسسية، والمشروعات الاقتصادية، والانفتاح الدبلوماسي، وتطوير البنية الأمنية، لم تكن استجابات مؤقتة لضغوط اللحظة، وإنما أجزاء من رؤية طويلة المدى تستهدف بناء دولة أكثر قدرةً على الصمود أمام التحولات.

ولا يُعني ذلك أنّ التجربة المغربية خالية من التحديات، فكما هو حال كل الدول، تواجه المملكة تحديات تتعلق بتقليص الفوارق الاجتماعية، وتعزيز فرص العمل، وتسريع وتيرة التحول الرقمي، ورفع تنافسية الاقتصاد في ظل التحولات العالمية، غير أنّ قيمة التجربة لا تُقاس بغياب التحديات، وإنما بامتلاك مؤسسات قادرة على التعامل معها دون أن تهتز الدولة أو تدخل في دوائر عدم الاستقرار.

وخلال العقد المقبل، سيواجه المغرب اختبارًا جديدًا لا يقل أهميةً عن اختبارات الماضي، فالتنافس الدولي لن يدور فقط حول الموانئ والطرق، وإنما حول الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا المتقدمة. وسيكون على المملكة أن تنتقل من مرحلة بناء البنية التحتية إلى مرحلة بناء اقتصاد المعرفة، ومن توظيف الموقع الجغرافي إلى توظيف رأس المال البشري والابتكار.

وفي هذا السياق، يكتسب التعاون العربي أهميةً مضاعفة، وفي مقدمته التعاون بين مصر والمغرب، فالدولتان تمتلكان رصيدًا حضاريًا ومؤسسيًا كبيرًا، وتواجهان تحديات متشابهة تتعلق بالأمن الإقليمي، والتنمية، والتحولات الاقتصادية، ومن ثمّ فإنّ تعميق الشراكة وتبادل الخبرات بينهما لا يخدم مصالح البلدين فقط، بل يعزز قدرة النظام العربي على التعامل مع بيئة دولية تزداد تعقيدًا.

إنّ التجربة المغربية تقدم درسًا مهمًا مفاده أنّ قوة الدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُقاس بحجم الخطاب السياسي، وإنما بقدرتها على إنتاج مؤسسات مستقرة، واقتصاد متنوع، ودبلوماسية مرنة، وأمن قادر على حماية التنمية، فبناء الدولة ليس حدثًا عابرًا، بل مشروعٌ لا يتوقف، وكل نجاح يفتح الباب أمام تحدٍ جديد.

ولهذا، فإنّ القيمة الحقيقية للتجربة المغربية لا تكمن في حصيلة ما تحقق فقط، وإنما في الفلسفة التي حكمت مسارها؛ فلسفة تعتبر أنّ الزمن ليس خصمًا للدولة، بل يمكن أنّ يصبح حليفها إذا أحسنت التخطيط، واستثمرت في الإنسان، وبنت المؤسسات قبل أن تبني المشروعات.

وهنا تحديدًا يكمن فنّ بناء الدولة، وهو الدرس الذي جعل من التجربة المغربية نموذجًا عربيًا يستحق الدراسة، لا بوصفه تجربة مكتملة، وإنما بوصفه مشروعًا يتطور باستمرار ويستعد للمستقبل أكثر مما ينشغل بالماضي.