الطريق
جريدة الطريق

الحسيني أحمد يكتب :الحزمة الضريبية الثانية.. نحو اقتصاد قائم على الثقة

الحسيني أحمد خبير الضرائب والمحاسب القانوني
-

تمثل الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية لعام 2026 نقطة تحول حقيقية في مسار السياسة الضريبية المصرية، ليس فقط لما تتضمنه من حوافز مالية وتشريعية، وإنما لأنها تعكس تغيرًا في الفلسفة التي تحكم العلاقة بين الدولة والممول. فبعد سنوات ارتبطت فيها المنظومة الضريبية بأهداف التحصيل وتعظيم الإيرادات، تتجه الحكومة إلى نموذج أكثر توازنًا يقوم على الشراكة، والامتثال الطوعي، والتحول الرقمي باعتبارها أدوات لدعم الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي.

تكمن أهمية هذه الحزمة في أنها لا تقتصر على تقديم إعفاءات أو تيسيرات مالية، وإنما تؤسس لتحول مؤسسي يعتمد على بناء الثقة بين الإدارة الضريبية والممولين، بما يسهم في دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.

التحول من المحاسبة التقديرية إلى الاقتصاد الرقمي

يعد إنهاء العمل بنظام المحاسبة التقديرية أو الجزافية، والاعتماد على البيانات الفعلية والفواتير الإلكترونية والمعاملات الرقمية، أحد أهم الإصلاحات الهيكلية التي تشهدها المنظومة الضريبية. فهذا التحول يحد من التقديرات الشخصية، ويعزز العدالة الضريبية، ويمنح المستثمرين قدرًا أكبر من اليقين والاستقرار، كما يشجع المنشآت غير الرسمية على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي في ظل منظومة أكثر شفافية وأقل تعقيدًا.

تيسيرات مالية تعزز الإنتاج

اقتصاديًا، تضمنت الحزمة مجموعة من الإجراءات التي تستهدف تخفيف الأعباء المالية عن الشركات وتحسين قدرتها على التوسع والإنتاج.

ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات اعتبار المساهمة التكافلية من التكاليف واجبة الخصم من الوعاء الضريبي، بما ينعكس على خفض الالتزامات الضريبية وتحسين التدفقات النقدية للشركات.

كما يمثل تخفيض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة والمنشآت الطبية إلى 5%، مع إعفاء مستلزمات الغسيل الكلوي، خطوة مهمة لدعم الاستثمار في القطاع الصحي وتخفيف تكلفة الخدمات العلاجية.

أما بالنسبة للقطاع الصناعي، فإن مد فترة تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات المستوردة لمدة أربع سنوات يمنح المصانع مساحة مالية أكبر لتوجيه السيولة نحو التشغيل والإنتاج، بدلاً من تحمل أعباء ضريبية في المراحل الأولى من المشروع، وهو ما يعزز التوسع الصناعي ويشجع على تعميق التصنيع المحلي.

وفي السياق ذاته، يسهم تعديل قواعد توزيع الأرباح داخل المجموعات المرتبطة في الحد من الازدواج الضريبي، وهو ما يعزز كفاءة الهياكل الاستثمارية للشركات.

دفعة جديدة لسوق المال

حظي سوق الأوراق المالية باهتمام واضح ضمن الحزمة الجديدة، من خلال تبني ضريبة الدمغة النسبية بدلاً من ضريبة الأرباح الرأسمالية، وهو ما يسهم في تبسيط الإجراءات وتقليل التعقيدات التي كانت تؤثر في قرارات المستثمرين.

كما تم منح حوافز للشركات التي تقيد أسهمها في البورصة، بما يشجع على زيادة عدد الطروحات وتعميق سوق المال، ويعزز قدرته على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

إنهاء المنازعات وبناء الامتثال الطوعي

تتجاوز الحزمة مفهوم التيسيرات المالية إلى معالجة الملفات الإدارية العالقة، من خلال تمديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية حتى نهاية عام 2026، بما يتيح تسوية آلاف القضايا ويحقق قدرًا أكبر من الاستقرار للممولين.

كما أن توحيد ضريبة التصرفات العقارية بنسبة 2.5% لغير المشتغلين بالنشاط العقاري، وإطلاق تطبيق إلكتروني لإتمام الإجراءات، يمثلان خطوة مهمة نحو تبسيط المعاملات وتقليل الاعتماد على التقديرات الفردية.

ومن الإجراءات ذات الأثر المباشر أيضًا تسريع رد الرصيد الدائن للممولين دون انتظار انتهاء إجراءات الفحص الميداني، وهو ما يدعم السيولة النقدية للشركات ويحسن مناخ الأعمال.

القائمة البيضاء... حافز للالتزام

يعد استحداث "القائمة البيضاء" للممولين الملتزمين من أبرز ملامح الحزمة، حيث تعتمد على تصنيف رقمي يمنح الشركات الملتزمة مزايا إجرائية، تشمل سرعة الفحص، والحصول على خدمات متميزة، والاستفادة من المراكز الرقمية الحديثة.

ويمثل هذا النظام انتقالًا من الرقابة التقليدية إلى الإدارة الضريبية القائمة على تقييم المخاطر، وهو اتجاه تتبناه العديد من الإدارات الضريبية المتقدمة حول العالم.

رؤية مستقبلية

تعكس الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية توجهًا واضحًا نحو استخدام السياسة الضريبية كأداة لدعم النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار، وليس فقط لتعظيم الحصيلة الضريبية.

فالنجاح الحقيقي لهذه الإصلاحات لن يقاس بعدد القرارات الصادرة، وإنما بقدرتها على توسيع القاعدة الضريبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين مستوى الامتثال الطوعي، وتعزيز ثقة المستثمرين في المنظومة الضريبية.

ويبقى نجاح هذه الحزمة مرتبطًا بسرعة إصدار اللوائح التنفيذية، وكفاءة التطبيق، واستمرار التحول الرقمي، إلى جانب رفع وعي الشركات والمحاسبين بكيفية الاستفادة من التيسيرات الجديدة، حتى تتحول هذه الإصلاحات إلى نتائج اقتصادية ملموسة تدعم الاستثمار والإنتاج والتنمية المستدامة.

إن الحزمة الثانية ليست مجرد تعديلات تشريعية، بل تمثل بداية لمرحلة جديدة في الإدارة الضريبية المصرية، عنوانها الثقة، والشفافية، والشراكة، وهي المبادئ التي يمكن أن تؤسس لبيئة استثمارية أكثر استقرارًا وتنافسية خلال السنوات المقبلة.