الطريق
جريدة الطريق

مساعد وزير الداخلية الأسبق يكشف كيف حسم مصدر سري أخطر قضية سرقة في عهد أحمد رشدي

اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق
-

قال اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إنه في عالم الجريمة المنظمة، لا يكمن الفارق بين الفشل والنجاح إلا في الضربات الاستباقية، فبينما يظل أداء الشرطة التقليدي مجرد رد فعل للمنع أو الضبط، يُثبت التاريخ الأمني أن الفطنة والدهاء الاستخباراتي هما السلاح الحقيقي لدحر الجرائم غير التقليدية.

وأوضح اللواء محمد نور الدين، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ، ببرنامج "كل الكلام"، المذاع على قناة "الشمس"، أنه في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا في عهد وزير الداخلية الأسبق اللواء أحمد رشدي المعروف بلقب "قاهر الجريمة" شهدت محافظتا القاهرة والجيزة ظاهرة أمنية غريبة أثارت حيرة رجال المباحث تمثلت في اختفاء فئة معينة من الموتوسيكلات اليابانية الحديثة والبهظة الثمن دون أي أثر، مشيرًا إلى أنه في المعتاد، كانت سرقات السيارات والموتوسيكلات تنتهي بعد يومين أو ثلاثة؛ إذ يلجأ اللص لاستغلال المركبة لفترة قصيرة ثم يتركها في شارع جانبي تجنبًا للجان المرور والأكمنة، وكان رجال المباحث يعتمدون على استجواب السياس والبوابين لضبط المركبات المُتخلى عنها.

ولفت إلى أن الموتوسيكلات الحديثة من طرازات "ياماها" وغيرها بدأت تختفي تمامًا؛ وعشرات البلاغات في الجيزة وضعفها في القاهرة، دون العثور على أثر لمركبة واحدة، ومع تزايد الضغوط من القيادات الأمنية واقتراب المهلة المحددة لحل اللغز، تقرر تحريك خطة بحث شاملة تعتمد على فحص المسجلين خطر، ومحلات قطع الغيار، وتنشيط شبكة المصادر السرية.

وأشار إلى أنه عن طريق مصدر سري موثوق تولت المباحث حمايته وصرف مكافأته المالية وفق الدفاتر الرسمية تكشفت تفاصيل واحدة من أذكى الخدع الإجرامية التي أدارها تشكيل عصابي يقوده شاب يحمل مؤهلاً متوسطًا، موضحًا أن العقل المدبر للتشكيل قرأ خبرًا عن مزاد علني أقامته القوات المسلحة لبيع لوط ضخم من الموتوسيكلات الخردة والكهنة، وقام التشكيل بشراء اللوط قانونيًا للحصول على الأوراق الرسمية التي تحمل أرقام الشاسيهات والمحركات الخردة، وقاموا بقطع الجزء الحديدي الذي يحمل رقم الشاسيه والموتور (الكارتيرة) من المركبات الخردة، وعند سرقة أي موتوسيكل حديث، يتم محو أرقامه الأصلية ولحام الأرقام القانونية القديمة بدقة متناهية، ثم إعادة طلاء الموتوسيكل، مؤكدًا أنه بفضل أوراق المزاد والمستندات الرسمية وبعض التجاوزات، كان التشكيل يستخرج رخصًا رسمية وسليمة للموتوسيكلات المسروقة بأرقام جديدة وشكل مختلف تمامًا، لتمشي في الشوارع بقانونية كاملة.

وأكد أنه بعد استصدار إذن النيابة العامة وضبط التشكيل العصابي، أنكر المتهمون في البداية مكان إخفاء المعالم الأصلية للمركبات، لكن التحريات الدقيقة قادت المباحث إلى ترعة المعتمدية، واستُدعيت فرق الغواصين من شرطة المسطحات المائية، وعلى مدار ثلاثة أيام متواصلة من الغوص في القاع، نجحوا في استخراج أكثر من طن من قطع الحديد والشاسيهات والأرقام الأصلية المقطوعة التي ألقاها التشكيل في الترعة لإخفاء جريمته، موضحًا أنه بمطابقة القطع والمستندات، تم تجميع وتحديد جميع الموتوسيكلات المسروقة من إقليم القاهرة الكبرى، وإعادتها لأصحابها.

وأشار إلى أنه أقيم معرض ضخم للمضبوطات أمام مقر مديرية الأمن، وحضر وزير الداخلية اللواء أحمد رشدي بنفسه لتفقد نتائج القضية، وتوجه الوزير أحمد رشدي نحو مدير المباحث وقتها اللواء حلمي الفقي، واحتضنه بحرارة أمام الجميع قائلًا بكلمات حفرت مكانتها في سجلات الشرطة: "يا حلمي.. أنا لا أريد أن أبارك لك فقط، أنا أريد أن أهتف لك ولضباطك على هذه المعجزة، لقد قرأت الإخطار وفهمت التفاصيل.. هذا هو العمل الأمني الاستباقي الحقيقي"، لتنتهي بذلك واحدة من أكبر قضايا السرقة والتزوير المنظمة، وتتحول إلى درس يدرس في قواعد البحث الجنائي عن أهمية الضربات الاستباقية والدهاء في مواجهة الجريمة.