الطريق
جريدة الطريق

خالد الجندي: العالم الحقيقي يختار ”خير الخيرين” ويدفع ”شر الشرين”|فيديو

الشيخ خالد الجندي
طه لمعي -

أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن مجرد قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر لا تعني بالضرورة امتلاكه العلم أو الحكمة الكافية لاتخاذ القرار الصحيح، موضحًا أن المعرفة الحقيقية تظهر عندما يستطيع الإنسان المفاضلة بين الخيارات المختلفة، واختيار ما يحقق المصلحة الأكبر ويدفع الضرر الأشد، وأن الطفل الصغير يمكنه في كثير من الأحيان إدراك الفرق بين الخير والشر، لكن العالم والفقيه هو من يمتلك القدرة على التمييز بين درجات الخير والشر، فيعرف «خير الخيرين وشر الشرين»، ويتعامل مع المواقف وفقًا للمصلحة والنتائج المترتبة عليها.

درس الخضر في المفاضلة

وأشار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خلال حلقة خاصة بعنوان «حوار الأجيال» ببرنامج «لعلهم يفقهون» المذاع على قناة DMC، إلى أن سيدنا الخضر عليه السلام جسّد هذا المعنى بوضوح خلال قصته مع سيدنا موسى عليه السلام، عندما واجه مواقف تبدو في ظاهرها غير مقبولة، لكنها كانت تستند إلى موازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد، واختيار الضرر الأقل من أجل منع ضرر أكبر، وأن هذا المنهج لم يكن ظاهرًا لسيدنا موسى في بداية الرحلة، ولذلك اعترض على بعض التصرفات التي قام بها الخضر، انطلاقًا من فهمه لما يظهر أمامه من أحداث، إلا أن طبيعة المهمة التي كان يقوم بها الخضر تضمنت علمًا وحكمة لم تكن معلومة لموسى في ذلك الوقت.

وأضاف الداعية الإسلامي، أن سيدنا موسى، بعد أن أدرك أهمية الالتزام بالعهد الذي قطعه على نفسه، عاد إلى ضبط موقفه، وقال: «لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا»، مؤكدًا أن هذا الموقف يحمل درسًا في الصبر وضرورة عدم التسرع في الحكم على الأمور قبل اكتمال الصورة ومعرفة خلفياتها، لافتًا إلى دقة التعبير القرآني في الحديث عن أحد مواقف الرحلة، خاصة في قوله تعالى: «فقتل»، مؤكدًا أن صيغة التعبير تشير إلى أن الذي باشر الفعل هو سيدنا الخضر وحده، رغم وجود اتفاق بينه وبين سيدنا موسى على الصحبة والمرافقة خلال الرحلة.

دقة التعبير القرآني.. مسؤولية الخضر

وأوضح الداعية الإسلامي، أن سيدنا موسى لم يشارك في هذا الفعل، لأن القتل يتعارض مع الشريعة التي كان ملتزمًا بها، مؤكدًا أن هذه النقطة تكشف اختلاف طبيعة ما كان يحمله كل من موسى والخضر من علم وتكليف في إطار القصة القرآنية، وأن هذا المشهد يمثل صورة دقيقة للقاء بين الشريعة، ممثلة في سيدنا موسى عليه السلام، والوحي، ممثلًا في سيدنا الخضر عليه السلام، موضحًا أن ما كان يقوم به الخضر لم يكن تصرفًا شخصيًا قائمًا على الهوى، وإنما كان مرتبطًا بما أوحي إليه وعلمه الله به.

وأكد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن وجود الوحي كان يتيح تعديل بعض الأحكام والتكاليف وفقًا لما يقتضيه الأمر الإلهي، مستشهدًا بما وقع في مسألة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، مستندًا إلى قوله تعالى: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام»، وأن هذا المثال يؤكد أن سلطة تعديل الحكم كانت مرتبطة بوجود الوحي والنبي الذي يتلقى التوجيه الإلهي، لافتًا إلى أن هذه المسألة لها أهمية كبيرة في فهم طبيعة التعامل مع الأحكام الشرعية والتغيرات التي قد تطرأ عليها بأمر من الله سبحانه وتعالى.

أثر الوحي في الأحكام

وأضاف الداعية الإسلامي، أن هذه السلطة انتهت بانقطاع الوحي وانتقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم أصبح التعامل مع الوقائع والمستجدات قائمًا على فهم النصوص الشرعية، والنظر في مقاصدها، ومراعاة الأعراف والظروف المحيطة بكل واقعة، وأن التعامل مع الواقع بعد انقطاع الوحي يتطلب فهمًا دقيقًا للنصوص وعدم فصلها عن الظروف التي تطبق فيها، مستشهدًا بقوله تعالى: «خذ العفو وأمر بالعرف»، باعتبار أن مراعاة الأعراف والظروف تمثل جانبًا مهمًا في عملية تنزيل الأحكام على الوقائع المختلفة.

واختتم الشيخ خالد الجندي، إلى أن الواقع قد يفرض اجتهادات في طريقة التطبيق، مستشهدًا بما فعله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أوقف سهم «المؤلفة قلوبهم» من مصارف الزكاة، موضحًا أن هذا المثال يعكس أهمية النظر إلى المصلحة والظروف التي تحيط بالحكم عند تطبيقه، وأن العلم الحقيقي لا يتمثل فقط في معرفة الأحكام أو القدرة على التمييز بين الخير والشر، وإنما يظهر في القدرة على ترتيب الأولويات والموازنة بين المصالح والمفاسد، واختيار الأفضل عند تعارض الخيارات، بما يحقق المصلحة ويدفع الضرر الأكبر، وهو ما وصفه بالقدرة على معرفة «خير الخيرين وشر الشرين».