محمد دياب يكتب: لبنان.. الجنوب بين واشنطن وتل أبيب

يدخل الجنوب اللبناني مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الأمريكية مع الرؤية الإسرائيلية، وتتحرك فيها ترتيبات سياسية وأمنية تعيد تشكيل ميزان القوة على الأرض. وفي قلب هذا المشهد تقف واشنطن باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا في صياغة التصورات الجديدة للجنوب، بينما تتقدم الحسابات الإسرائيلية باعتبارها المستفيد الأكبر من إعادة ترتيب المشهد.
ومن هنا تتشكل ملامح المعادلة تدريجيًا؛ حضور اليونيفيل يتحرك ضمن نطاق محدد، وحزب الله يواجه حسابات إقليمية متغيرة، والدولة اللبنانية تتحرك وسط ضغوط سياسية وأمنية متشابكة، بينما تحتفظ إسرائيل بتفوق عسكري يمنحها قدرة واسعة على الحركة وصناعة الوقائع وفرض إيقاعها على المشهد.
ومع هذا التفوق، تتحول القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي، ويتحول النفوذ إلى قدرة على رسم قواعد الاشتباك، ثم تتحول قواعد الاشتباك إلى أوراق تفاوضية تحدد شكل المرحلة المقبلة. وهكذا يصبح ميزان القوة في الجنوب جزءًا أساسيًا من عملية إعادة صياغة القرار الأمني والسياسي.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز مفهوم «الاستقرار» باعتباره العنوان الأكثر تداولًا، بينما تكشف تفاصيل المشهد عن سؤال أعمق يتعلق بمن يمتلك أدوات صناعة هذا الاستقرار. فكلما اتسعت قدرة طرف على الحركة وفرض الوقائع، اتسعت قدرته على تحديد قواعد اللعبة وتوجيه مسارها.
ومن هنا تبرز إسرائيل باعتبارها الطرف الأكثر استفادة من ميزان القوة القائم؛ تفوق عسكري، قدرة على التحرك، وأدوات ضغط تسمح بتثبيت وقائع جديدة على الأرض. ومع كل تحول في ترتيبات الجنوب، تتسع مساحة التأثير الإسرائيلي في تحديد شكل البيئة الأمنية المحيطة بحدوده.
وهذا المشهد يضع الجنوب اللبناني داخل دائرة أكبر من الحسابات الإقليمية؛ فالجغرافيا هنا تلتقي بالسياسة، والحدود تلتقي بالنفوذ، والقوة العسكرية تلتقي بصناعة القرار. ومن يملك مفاتيح القوة في الجنوب يمتلك ورقة مؤثرة في رسم جزء من مستقبل التوازن الإقليمي.
لذلك تبدو المعركة الأساسية معركة قواعد؛ قواعد الحركة، وقواعد الاشتباك، وقواعد النفوذ، وقواعد التعامل مع الوقائع الميدانية. وكل قاعدة جديدة تُرسم في الجنوب تحمل معها أثرًا سياسيًا يمتد إلى ما وراء الحدود اللبنانية.
وفي هذه اللحظة، يصبح الدور الأمريكي عنوانًا رئيسيًا في المشهد؛ واشنطن تمتلك القدرة على التأثير في شكل الترتيبات، وإسرائيل تمتلك القدرة العسكرية على ترجمة الوقائع فوق الأرض، وبين التأثير السياسي والقوة العسكرية تتشكل معادلة جديدة للجنوب.
ويبقى السؤال الأكثر اشتعالًا :
هل تحمل ترتيبات الجنوب مشروع استقرار متوازن، أم تحمل في جوهرها مشروعًا لإعادة توزيع القوة بحيث تصبح إسرائيل صاحبة اليد العليا في رسم قواعد اللعبة؟
فالجنوب اللبناني اليوم يقف فوق رقعة شطرنج إقليمية واسعة، وكل خطوة على هذه الرقعة ترسم جزءًا من مستقبل لبنان، وتعيد تعريف حدود النفوذ، وتحدد صاحب الكلمة الأثقل في المرحلة القادمة

