راشد الفزاري يكتب: حينما يسود العبث.. وتُشنق الفضيلة

يقف مجتمعنا اليوم على شفا جرف هارٍ من الاغتراب السلوكي؛ ليس لفقرٍ في عقوله، بل لجفافٍ أصاب منابع وجدانه. إنها ذروة التصحّر الأخلاقي، حيث تآكلت المبادئ وصار الهبوط مألوفاً، وتحولت الفضائل التي كانت بالأمس تيجاناً تزيّن الرؤوس، إلى أطلالٍ يبكيها الحكماء في زمن العبث الرخيص.
لم يكن هذا السقوط المدوّي وليد صدفة، بل هو نتاج خذلان متبادل؛ أسرةٌ غيبتها صراعات المادة فتركت فلذات أكبادها يتامى على مأدبة اللئام، ومحاريب علمٍ تحولت إلى أسواقٍ للشهادات الجافة بعد أن نزعت ثوب التربية والتهذيب.
وفوق هذا وذاك، فتحنا للأجهزة الصماء أبواب قلوبنا، فتربّع الابتذال على عروش "التريند"، وصار العهر الفكري بضاعة رائجة تُباع وتُشترى بلعنة الإعجابات الرقمية، حتى أمن المُسيء العقاب، فمات الحياء، واستحكمت الأنانية.إن انكسار الضمير المجتمعي ليس وعكة عابرة، بل هو نذير زوال؛ فالأمم شجرٌ أصله الأخلاق، وإذا نخر السوس جذور القيم، هوى السقف على الرؤوس وانفرط عقد الأمان.
إن طريق الخلاص لا يبدأ بشعارات جوفاء، بل بثورة بيضاء تعيد للبيت هيبته، وللكلمة شرفها، وللحياء جلاله، قبل أن تطمس العاصفة ما تبقى من ملامح إنسانيتنا.

