راشد الفزاري يكتب: لا جدوي من تعلية الجدران ما لم تكن النفوس شامخة

ينبثقُ فجرُ الأممِ من غياهبِ التمني، ولا تقومُ صروحُ الحضارةِ على هوامشِ الرغائبِ؛ إنما تنهضُ الأوطانُ يومَ تلتحمُ عزةُ الأرضِ بكرامةِ الإنسانِ، فيغدو الوطنُ حصناً حصيناً، والمواطنُ عماداً متيناً. فإذا أُكْرِمَ الإنسانُ سما البنيانُ، وإذا أُهِينَ تداعتِ الأركانُ.
إن التباينَ بين مَنْ صينتْ مهجتُهُ ومَنْ أُهدرتْ كرامتُهُ، هو الخطُّ الفاصلُ بين مجدِ الحضارةِ وقاعِ العدمِ:فالمواطنُ الذي يستشعرُ إعزازَهُ، ويستظلُّ بعدلِ القضاءِ، ويجدُ الرعايةَ التي تحفظُ ماءَ وجهِهِ، يتحولُ الانتماءُ في صدرِهِ إلى عقيدةِ وفاءٍ تفيضُ بالعطاءِ.
تراهُ يتقنُ ليرتفعَ ببلادِهِ، ويبتكرُ ليسمو باسمِها، ويغدو حارساً أميناً على مقدراتِها؛ لأنه يوقنُ أنَّ كلَّ لبنةٍ يرفعُها إنما يشيدُ بها بيتَهُ ومستقبلَ بنيهِ، وعلى الضفةِ الأخرى، يقبعُ الاغترابُ حيثما اسْتُبيحتِ الكرامةُ؛ فالمواطنُ الذي يرى جهدَهُ مبخوساً، وأبوابَ الفرصِ دونَ كفاءتِهِ موصدةً، يستحيلُ في وطنِهِ غريباً كسيراً.
ينطفئُ في عينيهِ بريقُ المبادرةِ، وتمسي الهجرةُ حلمَهُ الدفينَ؛ فيخسرُ الوطنُ أثمنَ ذخائرِهِ: عقولَ أبنائِهِ وولاءَهم، إن النهضةَ الرشيدةَ هي التي تتخذُ من صونِ الإنسانِ استراتيجيةَ وجودٍ؛ فلا جدوى من تعليةِ الجدرانِ ما لم تكنِ النفوسُ شامخةً.
إن بناءَ الأممِ يبدأُ من بثِّ الروحِ في قيمِ العدالةِ وتأمينِ الحياةِ التي تليقُ بآدميةِ البشرِ، وحينئذٍ فقط، تنبعثُ الأوطانُ وتصنعُ مجداً لا تهزُّهُ الأنواءُ؛ لأن الشعوبَ العزيزةَ هي وحدَها القادرةُ على تشييدِ الخلودِ.

