الطريق
جريدة الطريق

راشد الفزاري يكتب: صناعة التفاهة: عندما يُهدم وعي الأجيال في ”بضع ثوانٍ”

راشد الفزاري
-

 

في وقت ليس بالبعيد، كانت المجتمعات تقاس قيمتها بمدى احتفائها بأدبائها، شعرائها، ومثقفيها. كان الكاتب يقود أمة، والقصيدة تهز عروشًا، والفكرة تصنع ثورة تنويرية تبني أجيالاً. أما اليوم، فنحن نعيش تحولاً مجتمعيًا حادًا، حيث انقلبت الموازين وتراجعت القيمة لحساب "التفاهة"، حتى بات السفه سلوكًا رائجًا ومنتشرًا يحظى بالصدارة والاهتمام الإعلاني والجماهيري.لقد انحدرت الذائقة العامة إلى درجات غير مسبوقة، وأصبح المجتمع يعاني من "عمى اختياري" تجاه النخب الفكرية. لم يعد الشاعر أو الأديب أو المفكر ملهمًا للشباب، بل تحولوا في نظر ثقافة "التريند" السائدة إلى شخصيات هامشية تعيش في أبراج عاجية، أو طاقة مهدرة لا تقدم "الترفيه السريع" الذي يطلبه سوق الاستهلاك الرقمي الحالي.هذا التهميش للمثقف لم يكن محض صدفة، بل هو نتاج منظومة اتصالية حديثة دمرت معايير النجومية؛ فبينما يقضي باحث أو أديب سنوات من عمره لإنتاج كتاب يرمم وعي الأمة، يكفي شخص آخر بضع ثوانٍ من الابتذال والسفه على منصات التواصل الاجتماعي ليصبح نجم المجتمع الأول، وتُفتح له أبواب الشهرة والمال والمنابر الإعلامية.إن خطورة هذا الانحدار لا تقف عند حدود المشاهدة الرقمية، بل تمتد لتضرب عمق الهوية الثقافية للمجتمع. عندما يتصدر المشهد من لا يملكون فكرًا ولا وعيًا، يصاب المجتمع بحالة من السطحية والجهل المقنع، ويصبح عاجزًا عن إنتاج حلول لأزماته الحقيقية. تحول الثقافة إلى شيء "غير مرئي" هو بداية حتمية لإنتاج جيل مشوه معرفيًا، يرى في السفه ذكاءً وفي العلم والثقافة عبئًا ومللاً.إنقاذ الوعي الجمعي يتطلب وقفة جادة؛ فالأمر يتجاوز مجرد عتاب للمجتمع، بل هي دعوة للمؤسسات التعليمية والإعلامية لإعادة الاعتبار للمثقف الحقيقي، والبحث عن صيغ عصرية لتقديم الفكر الرصين قبل أن تستيقظ المجتمعات على واقع لا تجد فيه من يكتب تاريخها أو يدافع عن هويتها.