الطريق
جريدة الطريق

محمد السلاب: انسحاب الوفود من خطاب نتنياهو بالأمم المتحدة يعكس عزلة دولية تتحمل حكومته مسؤوليتها

محمد مصطفى السلاب، أمين أمانة الصناعة المركزية بحزب مستقبل وطن
-

أكد محمد مصطفى السلاب، أمين أمانة الصناعة المركزية بحزب مستقبل وطن، أن مشهد الانسحاب الجماعي لعشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتزامن مع بدء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة التعامل الدولي مع الحكومة الإسرائيلية، ويكشف عن اتساع الفجوة بين سياسات حكومة نتنياهو وبين قطاعات متزايدة من المجتمع الدولي.

وقال السلاب، في تصريحات له، إن ما حدث في الأمم المتحدة هو نتيجة طبيعية لمسار سياسي وعسكري طويل اختارت الحكومة الإسرائيلية الاستمرار فيه، رغم التكلفة الإنسانية والسياسية والقانونية المتزايدة، مشيرًا إلى أن الحرب على قطاع غزة، وما خلفته من أعداد ضخمة من الضحايا المدنيين ودمار واسع، إلى جانب ما يجري في الضفة الغربية من استيطان واعتداءات وتهجير وعنف، جعل من الصعب على إسرائيل الاستمرار في تقديم روايتها أمام العالم وكأنها الطرف الذي يخوض حربًا دفاعية منفصلة عن كل ما يحدث على الأرض.

وأضاف أن إسرائيل لم تعد تواجه فقط انتقادات بسبب عملية عسكرية بعينها، وإنما تواجه أزمة أوسع تتعلق بالمسار الذي اختارته حكومتها في إدارة الصراع، موضحًا أن الإصرار على الحل العسكري، ورفض أي أفق سياسي حقيقي، والتعامل مع الانتقادات الدولية باعتبارها مؤامرة أو عداءً لإسرائيل، كلها عوامل ساهمت في تحويل القضية من خلاف سياسي حول سياسات الحكومة الإسرائيلية إلى أزمة متزايدة في علاقتها بالمجتمع الدولي.

ولفت السلاب إلى أن خطاب نتنياهو نفسه قدم دليلًا على عمق هذه الأزمة، بعدما اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يواجه منتقديه بالهجوم والتخوين السياسي، بدلًا من تقديم إجابات واضحة بشأن الكلفة الإنسانية للحرب ومستقبل غزة والضفة الغربية، أو طرح تصور سياسي قادر على إنهاء الصراع. وأضاف أن استخدام منصة الأمم المتحدة لمهاجمة دول وشخصيات وقيادات تنتقد السياسات الإسرائيلية، بينما يغيب أي تصور واضح لكيفية إنهاء دوامة الحرب، يعكس حالة من العجز السياسي عن تقديم إجابة للمشكلة الأساسية.

وأوضح أن الأخطر من ذلك هو اتساع نطاق التصعيد الإسرائيلي خارج الأراضي الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف عند غزة والضفة الغربية، وإنما امتدت إلى لبنان، بما في ذلك عمليات عسكرية أسفرت عن سقوط مدنيين وتدمير منشآت، وهو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى التعبير عن قلق بالغ من تصاعد العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، والمطالبة بحماية المدنيين واحترام سيادة لبنان والقانون الدولي.

وأكد السلاب أن هذا التمدد العسكري يضع المنطقة بأكملها أمام خطر دائم، لأن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع الأزمات المتتالية بمنطق فتح جبهات جديدة بدلًا من معالجة أصل المشكلة، بينما أثبتت التجربة أن التفوق العسكري لا يمكن أن يتحول بمفرده إلى استقرار سياسي، وأن القوة مهما بلغت لا تستطيع أن تمنح أي دولة شرعية دائمة إذا ارتبط استخدامها بسقوط أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير البنية الأساسية واستمرار الاحتلال والصراع.

وقال إن مشهد الأمم المتحدة تحديدًا يحمل دلالة سياسية شديدة الأهمية، لأن خروج هذا العدد من الوفود من القاعة مع بداية خطاب نتنياهو جاء في قلب المؤسسة الدولية التي يفترض أن تكون مساحة للحوار بين الدول، بما يجعل المشهد تعبيرًا عن مستوى الرفض السياسي الذي وصلت إليه سياسات الحكومة الإسرائيلية. وقد رافق ذلك خطاب شديد اللهجة من نتنياهو تجاه من غادروا القاعة، وهو ما يؤكد أن المواجهة لم تعد بين إسرائيل وخصومها الإقليميين فقط، وإنما أصبحت تشمل مساحة أوسع من العلاقات الدولية.

وشدد السلاب على أن إسرائيل أمام لحظة سياسية مختلفة، وأن استمرار حكومة نتنياهو في تجاهل الرسائل القادمة من المجتمع الدولي لن يؤدي إلى احتواء الأزمة، وإنما إلى تعميقها، مؤكدًا أن العزلة الدولية لا تبدأ بقرار واحد أو موقف واحد، وإنما تتشكل تدريجيًا عندما تتراكم السياسات التي تفقد الدولة قدرتها على إقناع العالم بشرعية ما تفعله.

وأضاف أن ما يحدث حاليًا يمكن اعتباره بداية لمسار أكثر اتساعًا من العزلة السياسية والدبلوماسية لإسرائيل، وأن نتنياهو يتحمل مسؤولية سياسية مباشرة عن جزء كبير من هذا المسار، لأنه اختار الاستمرار في الحرب والتصعيد وفتح جبهات جديدة، بدلًا من استثمار الضغوط الدولية في الوصول إلى تسوية سياسية توقف نزيف المنطقة وتضع حدًا لمعاناة المدنيين.

وأكد السلاب أن إسرائيل لا يمكنها أن تخوض حربًا مفتوحة على أكثر من جبهة، وتدخل في مواجهة سياسية مع عدد متزايد من الدول، ثم تتوقع في الوقت نفسه أن تحافظ على صورتها وعلاقاتها الدولية كما كانت قبل الحرب، موضحًا أن استمرار هذا النهج ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الحكومة الحالية لتطال مكانة إسرائيل وعلاقاتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية على المدى الأبعد.

وأشار إلى أن الرسالة التي يجب أن تُقرأ جيدًا من مشهد الأمم المتحدة هي أن القوة العسكرية لم تعد قادرة وحدها على حماية إسرائيل من التداعيات السياسية لما تقوم به، وأن استمرار تجاهل القانون الدولي والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، إلى جانب الاعتداء على سيادة دول المنطقة، سيجعل إسرائيل تدفع ثمنًا سياسيًا ودبلوماسيًا متزايدًا.

وشدد السلاب على أن المنطقة لن تعرف طريقها إلى الاستقرار من خلال القصف والعمليات العسكرية وتوسيع دائرة الصراع، وإنما من خلال معالجة جذور الأزمة، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، والعودة إلى مسار سياسي جاد يضمن حقوق الشعب الفلسطيني ويضع أساسًا حقيقيًا للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مؤكدًا أن ما جرى في الأمم المتحدة يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية القصة، وإنما كإشارة سياسية قوية إلى أن سياسات نتنياهو بدأت تنتج عزلة دولية ستكون كلفتها أكبر كلما استمر النهج نفسه.