الطريق
جريدة الطريق

علي الديب يكتب: الدولة ليست خصمًا للصحافة.. ولكن الصحافة التي تضر بالدولة لا يمكن أن تختبئ خلف شعار الحرية

علي الديب
-

سلامة الدولة ليست مادة للتجربة.. «متصدقش» بين حق النقد وخطورة الأخبار التي تمس الأمن والاقتصاد


قبل أن نتعاطف مع «متصدقش».. علينا أن نتوقف أمام ما نشرته، وكيف قدمت معلوماتها، وما أثرها على صورة الدولة وثقة الناس في مؤسساتها.

الدفاع عن الدولة ليس جريمة، والحفاظ على أمنها القومي ليس تهمة.

ومن حق أي منصة أن تنتقد الحكومة وتكشف الأخطاء، لكن حرية الصحافة لا تعني أن يصبح كل ما يُنشر حقيقة، ولا أن تتحول عناوين مثيرة إلى بديل عن الوثيقة والمصدر الموثوق.

المشكلة في «متصدقش» ليست اسمها ولا شعارها الذي يوحي بمحاربة الأخبار الكاذبة؛ المشكلة في المحتوى الذي نشرته وفي الملفات التي اختارت الاقتراب منها وطريقة تقديمها للرأي العام.

فحين يتعلق الأمر بالاقتصاد أو الأمن القومي أو مؤسسات الدولة، لا يكفي أن تُطرح رواية واحدة ثم يُترك المواطن أمامها وكأنها الحقيقة الكاملة.

والأخطر أن أي معلومة غير دقيقة لا تبقى داخل حدود المنصة، يمكن أن تنتقل سريعًا إلى صفحات وحسابات وقنوات معادية لمصر، وتتحول إلى مادة جاهزة لتشويه الدولة وضرب الثقة في مؤسساتها.

وهنا يصبح الفارق كبيرًا بين صحافة تتحقق من الحقيقة ومنصة قد تتحول، عن قصد أو دون قصد، إلى مصدر لمعلومات تستخدم في صناعة رواية مضادة للدولة.

وزارة الداخلية أعلنت في بيانها اتهامات تتعلق بإدارة المنصة من الخارج ووجود تمويل مالي. وهذه الاتهامات ستظل محل تحقيق وقضاء، لكن خطورتها تفرض التعامل معها بجدية، لا تحويل القضية إلى بطولة إعلامية أو حملة تعاطف قبل اكتمال الصورة.

أما الحديث عن «الصحافة» فلا يجب أن يكون ستارًا يحجب مضمون القضية، فالصحفي له حقوقه، لكنه أيضًا مسؤول عن ما ينشره، والخبر لا يصبح صحيحًا لأن ناشره صحفي، كما أن النقد لا يتحول تلقائيًا إلى حقيقة لمجرد أنه منشور على منصة تحمل شعار «متصدقش».

ونقابة الصحفيين من حقها الدفاع عن الضمانات القانونية، لكن ذلك لا يعني أن كل محتوى نشرته المنصة أصبح محصنًا من المراجعة أو المساءلة.

نحن لا نحتاج إعلامًا يخاف من الدولة، لكننا أيضًا لا نحتاج منصات تجعل التشكيك في الدولة هدفًا دائمًا أو تتعامل مع الملفات الحساسة بمنطق الإثارة وجذب المتابعين، ومصر تحتاج صحافة قوية، لا صحافة معادية للدولة، تحتاج نقدًا يكشف الخطأ، لا محتوى يزرع الشك. تحتاج معلومات موثقة، لا روايات قابلة للاستخدام في حملات التشويه.

ولهذا فإن القضية يجب ألا تتحول إلى تعاطف أعمى مع منصة لمجرد أنها رفعت شعار محاربة الأخبار الكاذبة، من يحارب الكذب عليه أولًا أن يكون دقيقًا في كل كلمة ينشرها، وسلامة مصر واقتصادها وأمنها القومي أكبر من أن تكون مادة للمغامرة أو الإثارة أو صناعة المشاهدات، الدولة ليست خصمًا للصحافة.. لكن الصحافة التي تضر بالدولة لا يمكن أن تختبئ خلف كلمة «حرية».

وفي النهاية، الفيصل ليس اسم المنصة ولا شعاراتها ولا حملات التعاطف حولها، والفيصل هو ما نُشر، وما يثبت صحته أو خطأه، وما تكشفه التحقيقات والأدلة، لأن مصر أكبر من أي منصة، وأمنها القومي أكبر من أي «تريند».