الطريق
جريدة الطريق

الدرع الخلفي للجيش.. الدور المحوري لرجال الشرطة في نصر أكتوبر المجيد 1973

الصحفية نيفين مصطفى
نيفين مصطفى -
القاهرة

في السادس من أكتوبر، حين انطلقت الصيحة الخالدة عبر القناة لتشطر صمت التاريخ وتدك عروش أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، كانت الأبصار معلقة بالضفة الشرقية، حيث يُرسم مستقبل الوطن بالدم والحديد لكن ثمة معركة أخرى، لا تقل ضراوة ولا شرفاً، كانت تدور رحاها في العمق؛ معركة صامتة خاضها رجال الشرطة المصرية لإبقاء الجبهة الداخلية صلبة كالفولاذ، عصية على الانكسار.

إن الإنصاف التاريخي يقتضي منا ونحن نحتفي بعقد من الزمان بعد الآخر على انتصار أكتوبر المجيد، ألا نختزل ملحمة العبور في المواجهة العسكرية المباشرة فحسب فالنصر العسكري العظيم لا ينبت في فراغ أمني، والجيش الذي يتقدم بثبات على خط النار يحتاج إلى جبهة خلفية مستقرة تضمن له التدفق والاطمئنان وهنا تحديداً تجلت عبقرية التنسيق والسباق مع الزمن الذي خاضته وزارة الداخلية.

لم يكن دور الشرطة في أكتوبر مجرد أداء تنفيذي روتيني، بل كان عقيدة قتالية متكاملة، من استدعاء الاحتياط في سرية مطلقة، إلى تدريبات الأمن المركزي في صحراء وادي النطرون على اقتحام الكمائن ومواجهة الإنزال الجوي، وصولاً إلى إدارة فرض الإظلام وتأمين المرافق الاستراتيجية من العبث أو التجسس لقد تحولت أقسام الشرطة والمحافظات إلى غرف عمليات متصلة لا تنام، تُدار فيها السيطرة الأمنية بحرفية بالغة وضبط نفس استثنائي.

ولعل الأثر الأبرز لهذه الملحمة تبلور في أبهى صوره داخل المدن الباسلة؛ ففي السويس، حين قطع العدو الخطوط السلكية وعزل المدينة، أضحت الشبكة اللاسلكية لشرطة النجدة هي الشريان الوحيد الذي يربط قيادة الدولة بالمدينة الصامدة. وحين صدر الأمر الإسرائيلي بالاستسلام.

جاء الرد التاريخي عبر أجهزة الشرطة: "لا تسليم حتى آخر رجل"، لتلتحم دماء رجال الشرطة بدماء رجال الصاعقة والمقاومة الشعبية في ملحمة قسم شرطة الأربعين، متوجة ببطولات واستشهاد أبطالٍ كالرائد نبيل شرف والنقيب عاصم حمودة.

إن التاريخ يعيد تقديم دروسه بوضوح: الوطن لا يحميه جناح واحد. فكما كانت الشرطة والقوات المسلحة درعاً وسيفاً في أكتوبر 1973تخوض الأولى معركة الاستقرار في الداخل وتخوض الثانية معركة التحرير على الجبهة تكرر التكامل ذاته في لحظات فارقة من تاريخ مصر المعاصر، ليرسخ حقيقة حاسمة؛ وهي أن تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول عن أمن القومي.

سلامٌ على أبطال القوات المسلحة الذين عبروا القناة ورسخوا عزتنا، وسلامٌ على رجال الشرطة الذين حرسوا الظهير وشيدوا جدار الثقة، لتظل معركة أكتوبر شهادة أبدية على أن مصر عندما تتكامل مؤسساتها مع شعبها، لا تعرف إلا لغة الانتصار.