إنجي بدوي تكتب: كيف انهارت إسرائيل في 7 أكتوبر

عندما نفذت حماس هجوم 7 أكتوبر، كان العالم أجمع في حالة من الذهول: كيف استطاعت الحركة تنفيذ هجوم بهذا الحجم، بينما كانت إسرائيل في ذلك الوقت تتباهى بقدراتها العسكرية والتكنولوجية، وتقدم نفسها باعتبارها واحدة من أكثر الدول استعدادًا لأي تهديد أمني؟
لكن أول ما خطر ببالي في صباح 7 أكتوبر، جملة الرئيس الشهيد محمد أنور السادات، عندما قال للإسرائيليين: إن عليكم أن تستوعبوا جيدًا دروس المواجهة بيننا وبينكم.
كانت هذه الجملة سابقة لعصرها؛ لأنه بعد أكثر من خمسين عامًا، كررت إسرائيل الأخطاء نفسها: الغرور، والاستهانة بالخصم، والثقة المفرطة في التفوق العسكري والتكنولوجي. وكانت النتيجة 7 أكتوبر.
وهنا يأتي السؤال: كيف انهارت إسرائيل في صباح 7 أكتوبر؟
الحقيقة أن الانهيار والإخفاق لم يكونا مفاجأة لحظة الهجوم كما حاول البعض تصويرهما، وإنما كانا نتيجة تراكمات استمرت لسنوات؛ فعلى الرغم من أن قطاع غزة، تلك المساحة الصغيرة والمحاصرة، كانت تخضع لرقابة مشددة من الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية والاستخباراتية، إلا أن أول إخفاق إسرائيلي كان في تقدير الموقف.
بدأ الإخفاق من شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أمان، بقيادة اللواء آهارون حاليفا، الذي قال بعد نحو ثلاثة أسابيع من هجوم 7 أكتوبر: لقد فشلنا، مؤكدًا أن الشعبة تحت قيادته فشلت في التحذير من الحرب.
لكن الصدمة الحقيقية أن إسرائيل كانت تمتلك، قبل الهجوم بسنوات، معلومات حول احتمال تنفيذ هجوم على البلدات الإسرائيلية، وكانت هناك خطة معروفة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باسم أسوار أريحا، وهي الخطة التي تحولت في 7 أكتوبر إلى ما عُرف باسم طوفان الأقصى.
لكن الأزمة لم تكن في غياب المعلومات، وإنما في التقدير الخاطئ لما تعنيه هذه المعلومات؛ فقد تبنت شعبة أمان تصورًا مفاده أن حماس تسعى إلى التهدئة وتحسين الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، وأن مصالحها باتت مرتبطة بالحفاظ على الهدوء أكثر من الاستعداد لمواجهة عسكرية واسعة.
ووصل هذا التصور إلى درجة أن الوحدة الاستخباراتية 504 قللت من تجنيد المصادر داخل قطاع غزة؛ وهنا ارتكبت شعبة أمان واحدة من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها جهاز استخباراتي: الاستهانة بالخصم.
ومن ناحية أخري، لم يكن جهاز الشاباك بعيدًا عن دائرة الإخفاق، فالجهاز، الذي كان يقوده رونين بار، رصد مؤشرات أثارت القلق، من بينها تغير شرائح الهواتف المستخدمة من جانب مقاتلي حماس إلي شرائح إسرائيلية، لكنه فشل في تقدير الموقف، كما أن الشباك قد أغلق سابقًا وحدات رقابة داخلية كانت تقدم تقديرات موقف قوية حول تحركات حماس، بجانب أيضًا أنه فقد عددًا من مصادره البشرية داخل غزة بعد انكشافها عام 2018، وهو ما زاد من صعوبة بناء صورة استخباراتية بشرية دقيقة عن استعدادات حماس.
وكان هناك تقارير إسرائيلية كشفت عن فشل التنسيق وتبادل المعلومات بين أمان والشاباك، كما الاعتماد المفرط على ما يسمي بـ الأداة السرية؛ أي القدرات التكنولوجية والاستخباراتية المتقدمة التي مكنت إسرائيل من جمع كميات هائلة من المعلومات عن قطاع غزة، وحققت لها نجاحات عديدة على مدار سنوات.
لكن هذه الأدوات لم تستطع في النهاية تقديم الإجابة الصحيحة عن السؤال الأهم: هل ما نراه مج
رد مؤشرات أمنية عابرة، أم استعداد فعلي لهجوم واسع؟
والأخطر أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا أدى إلى تراجع أهمية المصادر البشرية والعملاء داخل قطاع غزة، وكذلك المعلومات القادمة من الميدان.
وكشفت التحقيقات الإسرائيلية المتعلقة بالهجوم عن إخفاقات في تأمين الحدود البحرية، إضافة إلى غياب معلومات أولية دقيقة حول حجم القوات المتسللة وعددها.
ففي نحو الرابعة والنصف فجرًا، وصلت إلى القوات البحرية تحذيرات بوجود مؤشرات مقلقة، لكن فشل تقدير الموقف أدى إلى عدم تعزيز السفن والقوات البحرية بالشكل المطلوب، وكانت النتيجة ما حدث في شاطئ زيكيم، ومقتل 18 إسرائيلي.
فقد تمكن مقاتلون حماس من الوصول عبر البحر باستخدام زوارق سريعة، ووقعت مواجهات في المنطقة، وبعض الشهادات أشارت أن بعض الجنود فروا هاربين ولم يوجهوا حماس.
إذا نظرنا إلى الأحداث من زاوية الإسرائيليين أنفسهم، سنجد أن السؤال لم يعد فقط: كيف تمكنت حماس من تنفيذ الهجوم؟
بل أصبح: من الذي سمح بخلق الظروف التي جعلت هذا الهجوم ممكنًا؟
وهنا تتجه أصابع الاتهام إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يرى كثير من الإسرائيليين أنه السبب الحقيقي وراء إخفاقات 7 أكتوبر هو بنيامين نتنياهو، وأن نصيبه من المسؤولية والإدانة أكبر بكثير مما تحاول الحكومة إلقاءه على حماس.
كما أن فكرة تحويل الأموال وتقوية اقتصاد حماس ساهمت في بناء بنية تحتية قوية، استطاعت من خلالها تنفيذ هجوم 7 أكتوبر، وبالرغم من أن نتنياهو كان يبرر هذه التسهيلات بأنها تهدف إلى إحداث الوقيعة بين السلطة الفلسطينية وحماس، ومنع قيام الدولة الفلسطينية، فإن الخطأ، من وجهة نظر كثير من الإسرائيليين، لم يكن في هجوم 7 أكتوبر نفسه، وإنما في السياسات التي سبقت الهجوم، وعلى رأسها تحويل الأموال إلى حماس، واخذ الرشاوي من دولة أخري.
لقد أحدث 7 أكتوبر فجوة كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي؛ فجوة بين الإسرائيليين ومن يحكمهم، وأصبح العدو الحقيقي، ليس الفلسطينيين كما تدعي الحكومة، بل الحكومة الحالية نفسها، ومن خدعوا الإسرائيليين باسم الدين اليهودي؛ فأصبحوا يعيشون تحت رحمة من يجلدهم ويستعبدهم.
وحتى الآن، لم يتم فتح تحقيق شامل في إخفاقات 7 أكتوبر، لأنه سيكشف مسؤولية المستوى السياسي والعسكري؛ عن وزير دفاع كان نائمًا وقت الهجوم، وتهديدات سموتريتش وبن غفير بإسقاط الحكومة في حال إبرام صفقة لتبادل الأسرى، وما نتج عن ذلك من إطالة الحرب ومقتل عدد كبير من الأسرى، ومن المرجح أن بعضهم قُتل بنيران إسرائيلية.

