الطريق
جريدة الطريق

‎أحمد السيد يكتب: أساتذة الشغلانة.. عندما يصبح التحرير والإعداد مدرسة في الإعلام

-

‎
في عالم الإعلام، هناك من يعمل في المهنة، وهناك من يصنع للمهنة قيمة وهيبة. وبين الاثنين مسافة لا يقطعها إلا أصحاب الخبرة، الذين يعرفون أن التحرير والإعداد ليسا مجرد كتابة كلمات وترتيب فقرات، وإنما صنعة تحتاج إلى عقل حاضر، ووعي بما يدور حولك، وقدرة على تحويل المعلومة إلى محتوى يصل إلى الجمهور بوضوح وتأثير.
‎أستاذ الشغلانة هو الشخص الذي يعرف من أين يبدأ الخبر، وكيف يبحث عن المعلومة، وكيف يختار الزاوية المناسبة، ومتى يضع العنوان الذي يجذب القارئ دون أن يضلله. يعرف أن وراء كل كلمة مسؤولية، وأن وراء كل معلومة مصدرًا يجب التحقق منه.
‎التحرير ليس مجرد تصحيح أخطاء لغوية، والإعداد ليس مجرد جمع أخبار من هنا وهناك. المهنة الحقيقية تبدأ من البحث، والتدقيق، والتحليل، وبناء الفكرة، وصناعة السؤال، وترتيب الأحداث بصورة تجعل المتلقي يفهم القصة كاملة.
‎وفي غرف الأخبار والاستوديوهات، يظهر الفرق بوضوح بين من يتعامل مع المهنة كوظيفة، ومن يتعامل معها كرسالة وصنعة وفن. فالمعد المحترف يستطيع أن يحول موضوعًا عاديًا إلى حلقة تستحق المشاهدة، وأن يفتح من التفاصيل الصغيرة أبوابًا لأسئلة كبيرة.
‎أما المحرر الحقيقي، فهو الذي يمتلك عينًا تلتقط التفاصيل، وعقلًا يربط الأحداث، وقلمًا يعرف كيف يقول الكثير بأقل الكلمات. لا يطارد الإثارة الرخيصة، ولا يبيع المعلومة من أجل المشاهدة، بل يعرف أن المصداقية هي رأس مال الصحفي الحقيقي.
‎والأستاذ في هذه المهنة لا يكتفي بأن يكون ناجحًا في عمله، بل يترك أثرًا فيمن يعملون معه. يعلم الأجيال الجديدة كيف يبحثون، وكيف يتأكدون، وكيف يصنعون الفكرة قبل أن يصنعوا العنوان.
‎إنها مدرسة لا تُدرّس في الكتب وحدها، بل تُكتسب من سنوات العمل، ومن ضغط الوقت، ومن المواقف الصعبة، ومن أخطاء يتم التعلم منها، ومن تجارب تصنع مع الوقت صحفيًا يعرف قيمة كل معلومة وكل كلمة.
‎وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا سريعًا للأخبار، أصبحت مسؤولية المحرر والمعد أكبر. فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يستحق أن يتحول إلى مادة إعلامية.
‎هنا تظهر أستاذية الشغلانة؛ أن تمتلك القدرة على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين السبق والتهور، وبين الجرأة والتجاوز.
‎الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات التي تُكتب، ولا بعدد الساعات التي يقضيها الصحفي داخل غرفة الأخبار، وإنما بما يتركه هذا العمل من أثر، وبمدى احترام الجمهور للمعلومة التي تقدمها.
‎وفي النهاية، تبقى مهنة التحرير والإعداد واحدة من أصعب وأهم مفاتيح العمل الإعلامي. ومن يتقنها بحق لا يحتاج إلى أن يقول إنه أستاذ فيها؛ الخبرة تتحدث عنه، والمنتج الذي يقدمه يشهد له، والأجيال التي تعلمت منه هي أكبر شهادة على أستاذيته.
‎أستاذ الشغلانة ليس لقبًا يُمنح… بل تاريخ طويل من العمل، والخبرة، والالتزام، وصناعة المحتوى الذي يعيش أطول من لحظة بثه.