محمد إسماعيل يكتب: مصر.. صوت العقل في زمن الصراعات

في لحظات الصراع الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من سلاح، وإنما بقدرتها على منع الحرب، واحتواء الأزمات، وحماية الشعوب من كلفة المواجهات المفتوحة.
ومع اتساع دائرة الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، تتأكد خطورة ما حذر منه الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا؛ فالحرب لا تبقى محصورة في حدود أطرافها، بل تمتد آثارها إلى أمن المنطقة واستقرار العالم، وتهدد أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والملاحة الدولية.
وما تتعرض له المملكة العربية السعودية ودول الخليج من تهديدات وهجمات يؤكد أن أمن المنطقة وحدة واحدة، وأن استهداف أي دولة عربية لا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة تخصها وحدها. فاستقرار الخليج جزء أصيل من الأمن القومي المصري والعربي.
ومن هنا، فإن التحذير المصري من اتساع رقعة الصراع لم يكن دعوة إلى التردد، بل دعوة إلى تغليب الحكمة، وإدراك أن القوة الحقيقية لا تكتمل إلا برؤية سياسية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، وتحفظ للدول سيادتها وللشعوب مقدراتها.
ومع إعلان إيران استعدادها للمساعدة في فتح باب الحوار بين السعودية والحوثيين، تلوح فرصة دبلوماسية ينبغي التعامل معها بجدية، دون تجاهل مسؤولية أي طرف عن وقف الهجمات واحترام سيادة الدول. فالمفاوضات ليست تنازلًا عن الحقوق، وإنما قد تكون الطريق إلى تسوية تحمي الأرواح وتمنع مزيدًا من التصعيد.
وهنا تبرز أهمية الدور المصري.
مصر، بثقلها السياسي وعلاقاتها العربية والإقليمية، قادرة على الإسهام في تقريب وجهات النظر، وفتح مسارات للحوار، ودعم أي جهد جاد يضمن أمن أشقائنا ويحفظ استقرار المنطقة. وموقفها واضح: أمن الخليج من أمن مصر، وأمن الدول العربية لا ينبغي أن يكون ورقة في صراعات الآخرين.
وفي الوقت نفسه، لم يعد التنسيق العربي خيارًا مؤجلًا. نحن بحاجة إلى منظومة أمن عربي مشتركة، تقوم على التعاون الدفاعي، وتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف السياسية، واحترام سيادة الدول، مع بحث تطوير قدرات دفاعية مشتركة تحمي أوطاننا وتردع الاعتداءات. فالمقصود ليس إشعال حرب جديدة، وإنما منع الحروب وحماية السلام.
إن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الدماء والدمار، ولا يجوز أن تظل الشعوب تدفع ثمن صراعات لا تعرف متى تنتهي. كما أن الحديث عن المخططات التي تستهدف إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط يجب أن يقابله عمل عربي جاد، ووحدة في الموقف، وتمسك باستقلال القرار الوطني، لا الاكتفاء بالشعارات.
لقد أثبتت الأحداث أن صوت العقل ليس ضعفًا، وأن الدبلوماسية ليست بديلًا عن القوة، بل هي التي تمنح القوة هدفًا وتحميها من أن تتحول إلى استنزاف بلا نهاية.
فلنستمع إلى صوت مصر، ولنمنح الحوار فرصته، ولتكن وحدة العرب هي الحصن الذي يحمي حاضرنا ومستقبل أبنائنا.
حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ أشقاءنا في السعودية ودول الخليج وسائر الدول العربية، ووحّد كلمتنا على الحق والسلام، وجنّب أوطاننا ويلات الحروب.
اللهم عمّ السلام كل شبر من أرض العروبة

