الطريق
جريدة الطريق

معركة المنصورة الجوية.. ذكري وثقت النسور المصرية تاريخ أطول وأشرس معركة جوية بالتاريخ العسكري الحديث

إحتفال القوات الجوية المصرية بالذكري 53 لمعركة المنصورة الجوية
جاسمين مختار -
سماء المنصورة ومنطقة شرق الدلتا

دع سمائى.. فسمائى مُحرقةْ، دع قناتى.. فمياهى مُغرِقةْ وإحذر الأرض.. فأرضى صاعقةْ، هذه أرضى أنا.. وأبى ضحّى هنا، وأبى قال لنا: مزقوا أعداءنا، أنا شعبٌ وفدائيٌّ وثورةْ ودمٌ يصنع للإنسان فجْرهْ، ترتوى أرضى به من كل قطرة وستبقى مصرُ حرة، وفي خضم حرب أكتوبر ١٩٧٣، حاولت القوات الجوية الإسرائيلية فرض تفوقها الجوي وإستهداف المطارات والقواعد الجوية المصرية في منطقة الدلتا، فكان الموعد مع واحدة من أعنف المواجهات الجوية في الحرب..

فلم تكن سماء مصر مجرد ساحة للقتال، بل تحولت إلى ميدان لمعركة جوية تُعد من أبرز المعارك الجوية في حرب أكتوبر، وأصبحت رمزاً للشجاعة والمهارة والإصرار لدى الطيارين المصريين..

وفي هذا الصدد تحتفل القوات الجوية المصرية بعيدها الثالث والخمسون من كل عام والذي يوافق أحداث أكبر معركة جوية بعد الحرب العالمية الثانية؛ ففي الرابع عشر من أكتوبر 1973، وقعت معركة المنصورة الجوية، حيث تصدت القوات الجوية المصرية الباسلة لغارات العدو الجوية في سماء المنصورة، هذا وقد إستمرت المعركة قرابة 53 دقيقة، لتسجل كأطول وأعنف وأشرس معركة جوية في "التاريخ العسكري الحديث"، ورغم التفوق العددي والنوعي لطيران العدو، فإن حجم الخسائر بين صفوفه وصل إلى 17 طائرة في دقائق معدودة ..

فإنطلقت الطائرات المصرية من قواعدها لمواجهة الطائرات الإسرائيلية، ودارت إشتباكات جوية كثيفة فوق منطقة الدلتا، شاركت فيها أعداد كبيرة من الطائرات من الجانبين، وسط مناورات سريعة وقرارات مصيرية إتخذها الطيارون في ثوانٍ معدودة..

لم تكن المعركة مجرد مواجهة بين الطائرات، بل كانت إختباراً حقيقياً للتدريب والتخطيط والقدرة على إتخاذ القرار تحت ضغط النيران..

فلقد إستمرت الإشتباكات قرابة 53 دقيقة، وشهدت مشاركة واسعة من الطائرات المصرية والإسرائيلية، وإنتهت بإنسحاب الطائرات الإسرائيلية من منطقة المواجهة، لتصبح المعركة أحد أبرز رموز أداء القوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر..

فلقد برهنت أن التفوق الجوي ليس مجرد إمتلاك طائرات أحدث أو أسلحة أكثر تطوراً، بل يعتمد أيضاً على كفاءة الطيارين، وحسن إدارة المعركة، والتدريب والتنسيق بين الوحدات، والقدرة على إستغلال نقاط القوة في مواجهة الخصم..

ولأنها جاءت في حرب كانت مصر تحاول إستعادة أرضها وكرامتها بعد سنوات من مرارة هزيمة 1967، فكان لكل نجاح عسكري أثر معنوي كبير على المصريين..

وتلك وثيقة رقم ١٢٤٧ وفيها معركة المنصورة الجوية في ١٤ أكتوبر ١٩٧٣

"حيث قامت القوات الجوية بإعتراض طائرات العدو من ٧٠ إلى ٨٠ طائرة معادية لمدة ٥٣ دقيقة فوق منطقة شرق الدلتا بقوة ٥٦ طائرة مقاتلة وتم إسقاط ١٧ طائرة للعدو.. وكان من أعمال القوات الجوية فى هذا اليوم أيضا تقديم المعاونة الجوية للجيوش الميدانية بضرب حشود العدو أمام مواجهة الجيش الثانى الميدانى وتنفيذ طلعات إستطلاع على المحور الأوسط، وكانت خسائر القوات الجوية المصرية فى هذا اليوم ٣ طائرة"..

شهادة اللواء طيار أركان حرب نصر موسى عن ذكرياته بمعركة المنصورة الجوية مصدر الشهادة للمجموعة 73 مؤرخين 

فى صباح الرابع عشر من أكتوبر 1973 شنَّت طائرات العدو الصهيونى هجوماً شرساً على كل القواعد الجوية المصرية ومنها مطار "شاوة بالمنصورة"، ليتصدَّى لهم المصريين بجسارةٍ، وإستمرت تلك المعركة 58 دقيقة كاملة ( مصادر أخرى تقول أنها إستمرت 54 دقيقة ) ولعل ذلك هو ما أكسبها الخلود وجعلها أعظم معركة فى التاريخ , إذ أنَّ المعارك الجوية تستغرق من ثلاث إلى خمس دقائق فقط وتنتهى بالقضاء على أحد الخصمين أو إنسحابه لإصابته أو لنفاذ الوقود..

 وكان سلاح العدو هو طائرات الفانتوم الأمريكية، ذات القدرة على الطيران لأربع ساعاتٍ متصلة، بينما طائرات الميج التى يقودها المصريين روسية الصنع تستغرق أقل من ساعة ليُشَكِّل ذلك فارقاً زمنياً شاسعاً فى صمود كلاً من الطائرتين فى مواجهة الآخر..

 فمنذ بدء المعركة ذاك اليوم إنطلقت كل الإشارات لتدل على أنّ كل الطيارين المصريين إنطلقوا فعندما كان ينتهى الوقود يعودوا لأرض المطار ليتزودا بالوقود ويعاودا النسور إنطلاقاً للقتال من جديد..

 حيث ضرب سلاح الطيران المصرى رقماً قياسياً عالمياً جديداً ليصل إلى 6 دقائق فقط و هو ما جعل الإسرائيليون يعتقدون بوجود أعداد هائلة من الطائرات المصرية تصل إلى 150 طائرة بخلاف ما أبلغتهم به قياداتهم من وجود 40 طائرة فقط بالمطار ويبرهن على براعة الطيران المصرى والتى أذهل العدو الإسرائيلى وأربكته..

وفى ذلك اليوم إنطلق البطل اللواء طيار نصر موسى شخصياً ثلاث مرات بينما آخرون إنطلقوا خمس مرات، وعن بعض البطولات التي قام بها فيتذكر..

"عند سماعه لإشارة الإنطلاق، إتجه مسرعاً لطائرته ولا يدرى ما الذى دفعه حينها لإسقاط خزانات الوقود الثلاث بطائرته قبل الطيران لتصبح الطائرة أقل وزناً لتطير فى مواجهة إحدى طائرات الفانتوم الإسرائيلية وينطلق خلفها وقبل أن يصيبها شعر بما يشبه الوخزة فى صدره ليتذكر الفخاخ الغربية الإسرائيلية ،وضرورة التأكد إذ ما كانت هناك طائرةً أخرى تنقض عليه من الخلف، وهنا قام بفك حزام الأمان من حوله بسرعة وجلس فوق مقعد القيادة ودار على قدمه لينظر للخلف ليفاجأ بطائرة فانتوم إسرائيلية أخرى تنقض عليه من الخلف و على مقربةٍ منه تماماً و يستعد طيارها للقضاء عليه..

وهنا تذكر تلك الحركة التى تعلمها من معلموه والتى يُطلَق عليها ( حركة ما قبل الموت) حيث يقوم بها الطيار إذا أدرك أنه هالك لا محالة، فقام بسرعة وفجأة بالميل بطائرته بزاوية 90 درجة ليربك الطائرة المهاجمة من الخلف ليدور بطائرته، ويصبح فوق خصمه تماماً لتلتقى عينيه بعين الطيار الإسرائيلى وتتبدل الأدوار و يقوم هو بمهاجمته، بينما إستشعر كما لو أنَّ الفانتوم الإسرائيلية ترتجف هى وقائدها، وفى تلك المعركة قام بإسقاط طائرتى فانتوم وأخرى أُجبرت على الهبوط وتم أسر قائدها..

ومن نتائج تلك المعركة الخالدة ما يلى :

القضاء على 18 طائرة فانتوم إسرائيلية، إجبار طائرة الفانتوم على الهبوط وتم أسر قائدها بواسطة أهالى المنصورة وتسليمه للشرطة العسكرية، حماية "قاعدة شاوة" من الهجوم الإسرائيلى وإحباط ذلك الهجوم، تم خسارة ثلاثة طائراتٍ مصرية فقط فى تلك المعركة..

جديرٌ بالإشارة فإن الإحتفال بيوم الطيران المصرى والذي كان في نوفمبر من كل عام بدايةً من عام 1932 ( وهو بداية تكوين الطيران المصرى )، حيث تم تغييره ليصبح الإحتفال به هو يوم الرابع عشر من أكتوبر من كل عام بدايةً من عام 1973و هو ذكري معركة المنصورة الباسلة ..

وفي نفس الإطار يروى اللواء طيار نصر موسى فى أثناء تلك المعركة إلتقى بأحد الطيارين المُعادين والذين قاتلوا بشراسة والذى كان يحاول مستميتاً الإلتفاف ومهاجمته من الخلف ليقوم اللواء موسي بسرعة بتلافى ذلك ليصبح بجواره ثم ينقض هو على الطيار المُعادى من الخلف ليقوم كُلاً من الطَيَّارَينِ بتلك الحركة ليحاول كلٌ منهما التغلب على الآخر و تعرَف هذه الحركة ب ( المقص) ..

وأثناء تلك المعركة إلتقت عينيه مباشرةً بعين الطيار الآخر وليتجه ببصره لتلك الطائرة والتى كان ذيلها أسوداً ولا توجد عليها نجمة داوود ليدرك أنها ليست طائرة إسرائيلية ،ويدرك فيما بعد بأنها كانت طائرة من جنوب أفريقيا يقودها أحد المرتزقة، فقلد فشل الطيارين الإسرائيليين بالتغلب على الطيارين المصريين فقاموا بإستئجار المرتزقة..

ويروى اللواء طيار نصر موسى بأنه هو وذلك المرتزق لم يستطع أياً منهما التغلب على الآخر و كُلاً منهما يحاول الإنسحاب بحذر لئلا يُصيبه الآخر , ولكى ينسحب إضطر لأن ينخفض بحيث تكاد طائرته تلامس سطح بحيرة المنزلة وكان هناك قارباً شراعياً يمر بجواره وشراعه يزيد عن إرتفاع الطائرة عن سطح البحيرة لأن ذلك الإرتفاع المنخفض لا تستطيع أى طائرة أخرى أن تصيبه منه كأحد وسائل الحيطة والحذر أثناء إنسحاب الخصمين..

ويستطرد اللواء طيار نصر موسى ليروى بعض البطولات التى لم يذكرها التاريخ لأهالى المنصورة فى حرب 1973، ففى أثناء مهاجمة الطيران الإسرائيلى "لمطار شاوة" أصابت بعض القذائف الممرات مما أدى لتناثر الحجارة بها والذى يعرقل إقلاع الطائرات المصرية، وفى ذلك اليوم منذ التاسعة مساءاً وحتى صباح اليوم التالى قام طلبة وطالبات المدارس والجامعة والمؤسسات النسائية بالعمل طوال الليل لتنظيف أرض المطار من تلك الحجارة..

وأثناء قيامهم بذلك كانت طائرات العدو الإسرائيلى تُسقِِط بعض القذائف والتى لحسن الحظ لم تصبهم ولكن إحداها قام أحد الميكانيكيين بصف الضباط بإحتضان القنبلة والجرى بها نحو سور الممر ليلقيها بعيداً ولكنه وقبل تسلقه للسور إنفجرت فيه لتمزقه و يُحتَسَب عند الله شهيداً..

وفي كل عام، تستعيد مصر ذكرى هذه المعركة تكريماً لطياريها الذين خاضوا المواجهة في ظروف بالغة الخطورة، ودفاعاً عن سماء الوطن، فتحية تقدير لكل طيار مصري حمل مسؤولية الدفاع عن سماء بلاده، ولكل جندي شارك في حرب أكتوبر، ولكل من قدّم حياته من أجل أن تستعيد مصر أرضها وسيادتها، فالتاريخ لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه المواقف وتضحيات الرجال الذين يواجهون أصعب اللحظات دفاعاً عن أوطانهم...