الحسيني أحمد يكتب : منتدى مصر 2026.. هندسة المستقبل الاقتصادي وصناعة فرص النمو والاستثمار

في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، تبرز أهمية المنتديات الاقتصادية التي تفتح آفاقًا للحوار وتبادل الرؤى حول مستقبل الاقتصاد، وتطرح مسارات عملية لتعزيز الاستثمار والإنتاج وتحقيق الاستدامة المالية. ويأتي منتدى مصر 2026 باعتباره مساحة مهمة لمناقشة القضايا الاقتصادية والمالية، واستشراف فرص النمو، وتطوير السياسات التي تدعم قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة مسيرة التنمية.
وتكتسب المناقشات المتعلقة بالضرائب والمالية العامة أهمية خاصة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء اقتصاد قوي؛ فالسياسة الضريبية الفعالة تسهم في تنمية موارد الدولة وتوسيع قاعدة النشاط الرسمي، بينما تساعد الإدارة المالية الرشيدة على توجيه هذه الموارد إلى المشروعات والخدمات ذات الأولوية. ومن ثم، فإن التكامل بين المسارين يمثل مدخلًا مهمًا لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي.
ومن وجهة نظر مهنية، فإن قيمة هذه المناقشات تكمن في تناولها الملفات الاقتصادية بصورة مترابطة، بحيث لا ينفصل الإصلاح الضريبي عن تشجيع الاستثمار، ولا تنفصل إدارة الموازنة عن متطلبات الإنتاج والتشغيل، ولا تنفصل زيادة موارد الدولة عن تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
الإصلاح الضريبي.. محرك لتنمية الموارد وتعزيز الثقة
يمثل تطوير المنظومة الضريبية أحد المحاور المهمة لبناء اقتصاد أكثر كفاءة وتنافسية، فدور الضرائب لا يقتصر على توفير الإيرادات اللازمة للموازنة العامة، بل يمتد إلى دعم بيئة الأعمال، وتشجيع الالتزام، وتحفيز الأنشطة الإنتاجية، وتعزيز قدرة الدولة على تمويل خطط التنمية.
وتعكس المؤشرات الواردة في تقرير صندوق النقد الدولي بشأن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري حجم الاهتمام بتنمية الإيرادات العامة؛ إذ أشار التقرير إلى مستهدف لتعبئة إيرادات إضافية من الإجراءات الضريبية بقيمة 300.2 مليار جنيه خلال السنة المالية 2026/2027، بما يعادل نحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتبرز أهمية هذه المستهدفات في ارتباطها بتطوير أدوات التحصيل، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين إدارة المنظومة، والاستفادة من التحول الرقمي في بناء قاعدة بيانات أكثر دقة وكفاءة. فكلما تطورت الإدارة الضريبية، أصبحت الدولة أكثر قدرة على تنمية مواردها، وأصبح الممول أكثر قدرة على الوفاء بالتزاماته من خلال إجراءات واضحة وميسرة.
كما أن نجاح الإصلاح الضريبي يرتبط بتعزيز الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال، وتوفير بيئة تشريعية مستقرة تساعد المستثمرين على التخطيط طويل الأجل، وتدعم المشروعات القائمة، وتشجع على تأسيس مشروعات جديدة. وتظل العدالة والشفافية وتبسيط الإجراءات من أهم العناصر التي تمنح المنظومة الضريبية قدرتها على تحقيق أهدافها الاقتصادية.
التحول الرقمي.. نقلة نوعية في الإدارة الضريبية
أصبح التحول الرقمي أحد أهم أدوات تحديث الإدارة المالية، لما يقدمه من فرص لتسريع الإجراءات، وتحسين دقة المعلومات، وتيسير الخدمات، وتعزيز كفاءة التحصيل. وفي هذا الإطار، تمثل منظومات الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني والإقرارات الرقمية خطوات مهمة نحو بناء بيئة ضريبية حديثة تتواكب مع تطور النشاط الاقتصادي.
وتشير بيانات تقرير صندوق النقد الدولي إلى تسجيل نحو 196,324 ممولًا في النظام الضريبي المبسط وفق القانون رقم 6 لسنة 2025، مع إقرارات بلغت قيمتها 11.2 مليار جنيه خلال الفترة من فبراير 2025 إلى مايو 2026.
وتعكس هذه الأرقام أهمية تطوير النظم المخصصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها أحد المكونات الحيوية للاقتصاد المصري، ومصدرًا مهمًا لفرص العمل والنشاط الإنتاجي. كما تبرز أهمية توفير خدمات رقمية مبسطة تساعد أصحاب المشروعات على إدارة التزاماتهم بكفاءة، وتمنحهم فرصًا أكبر للنمو والتوسع.
ومن هنا، فإن التوسع في الرقمنة لا يمثل مجرد تحديث تقني، بل يعزز كفاءة المؤسسات، ويساعد على تحسين جودة القرارات الاقتصادية، ويدعم الشفافية، ويتيح فرصًا أوسع لدمج الأنشطة الاقتصادية في المنظومة الرسمية.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة.. اتساع القاعدة الاقتصادية
تحتل المشروعات الصغيرة والمتوسطة موقعًا مهمًا في أي استراتيجية تستهدف توسيع النشاط الاقتصادي وزيادة فرص التشغيل. فهذه المشروعات قادرة على الانتشار في مختلف المحافظات، وتلبية احتياجات الأسواق المحلية، وتوفير فرص عمل متنوعة، والمساهمة في تنشيط سلاسل الإنتاج والتوريد.
ويكتسب النظام الضريبي المبسط أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يوفر إطارًا أكثر ملاءمة لطبيعة هذه المشروعات، ويساعد على تنظيم تعاملاتها المالية والمحاسبية. كما أن تشجيع أصحاب الأعمال على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي يفتح المجال أمام تطوير أنشطتهم، والاستفادة من الخدمات المالية، وتوسيع نطاق تعاملاتهم مع المؤسسات والأسواق.
إن توسيع القاعدة الضريبية من خلال نمو النشاط الاقتصادي الرسمي يمثل فرصة مشتركة للدولة ومجتمع الأعمال؛ فالدولة تستفيد من زيادة قاعدة الممولين وتحسن كفاءة التحصيل، بينما تستفيد المشروعات من وضوح المعاملات وإمكانية التوسع وفق قواعد منظمة.
المالية العامة.. استثمار في الاستقرار والتنمية
لا تكتمل الرؤية الاقتصادية دون إدارة مالية عامة تتسم بالكفاءة والقدرة على تحقيق التوازن بين الموارد المتاحة والأولويات التنموية. وتأتي أهمية مناقشة هذا الملف في منتدى مصر 2026 من ارتباطه المباشر بتمويل المشروعات العامة، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار المالي، وتوفير بيئة داعمة للاستثمار.
وتشير بيانات برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى استهداف تحقيق فائض أولي يعادل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2026/2027. ويعبر هذا المؤشر عن أهمية تعزيز قدرة الموازنة على تغطية المصروفات بخلاف فوائد الدين من خلال الإيرادات المتاحة.
كما يبلغ سقف الاستثمارات العامة المستهدف نحو 1.5 تريليون جنيه خلال السنة المالية نفسها، بما يعكس أهمية الإنفاق الاستثماري في دعم البنية الأساسية، وتطوير الخدمات، وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وتبرز هنا أهمية توجيه الاستثمارات إلى القطاعات التي تحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملموسًا، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والطاقة والمياه والصرف الصحي. فالاستثمار في هذه القطاعات لا يقتصر على تحسين الخدمات، بل يدعم كذلك إنتاجية المجتمع، ويرفع كفاءة سوق العمل، ويعزز قدرة الاقتصاد على النمو.
وتتجلى أهمية الإدارة المالية الرشيدة في تحقيق التكامل بين الانضباط المالي والاستثمار التنموي، بحيث تتوافر الموارد اللازمة للمشروعات ذات الأولوية، بالتوازي مع تحسين كفاءة الإنفاق وتعظيم العائد من الأموال العامة.
إدارة الدين وتنمية موارد النقد الأجنبي
يمثل ملف الدين العام وموارد النقد الأجنبي جانبًا مهمًا من منظومة الاستقرار الاقتصادي، إذ ترتبط استدامة المالية العامة بقدرة الاقتصاد على تنمية موارده، وتحسين كفاءة استخدام التمويل، وتوسيع مصادر الدخل بالعملة الأجنبية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب القطاعات الإنتاجية والتصديرية أهمية متزايدة، إلى جانب السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر والصناعة والخدمات. فتنويع مصادر النقد الأجنبي يسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته، ويمنحه فرصًا أوسع لمواجهة التغيرات في الأسواق العالمية.
كما أن تحسين مناخ الاستثمار وتطوير البنية الأساسية وتيسير الإجراءات أمام المستثمرين عوامل تساعد على توجيه رؤوس الأموال إلى مشروعات قادرة على زيادة الإنتاج المحلي، وخلق فرص عمل، ورفع القيمة المضافة، وتعزيز الصادرات.
ويظل التكامل بين السياسات المالية والاستثمارية والإنتاجية من أهم عناصر بناء اقتصاد مستدام؛ فكلما زادت قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، اتسعت فرص نمو الإيرادات العامة، وتحسنت قدرته على تمويل التنمية.
الاستثمار الخاص.. شريك في تحقيق النمو
يمثل القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في مسيرة التنمية الاقتصادية، لما يملكه من قدرة على ضخ الاستثمارات، وتطوير المنتجات والخدمات، وتوفير فرص العمل، وفتح أسواق جديدة أمام الإنتاج المصري.
وتوفر المناقشات الاقتصادية منصة مهمة لتبادل الرؤى بشأن البيئة الاستثمارية، وتطوير السياسات التي تشجع الشركات على التوسع، وتعزز قدرتها على المنافسة محليًا ودوليًا. كما أن استقرار السياسات المالية والضريبية يساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات طويلة الأجل، ويعزز ثقة المستثمرين في فرص النمو.
ومن المهم أن تتكامل الحوافز الاستثمارية مع أهداف واضحة تتعلق بزيادة الإنتاج، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز المكون المحلي، ورفع الصادرات، وتوفير الوظائف. فهذه العناصر تسهم في تحويل الاستثمار إلى قيمة اقتصادية مضافة، وتدعم اتساع القاعدة الإنتاجية والضريبية في آن واحد.
منتدى مصر 2026.. منصة لتكامل الرؤى الاقتصادية
تتجلى أهمية منتدى مصر 2026 في إتاحة مساحة للحوار حول الملفات التي تشكل مستقبل الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها الإصلاح الضريبي، وإدارة المالية العامة، وموارد النقد الأجنبي، والاستثمار المنتج، والتنمية المستدامة.
إن الجمع بين هذه الملفات في إطار حوار اقتصادي متكامل يساعد على إبراز الروابط بين السياسات المختلفة، ويؤكد أن تحقيق النمو يتطلب رؤية شاملة تتعاون فيها المؤسسات الحكومية والخبراء ومجتمع الأعمال.
كما أن تبادل الخبرات وطرح المقترحات العملية يمثلان فرصة لتطوير أدوات العمل الاقتصادي، وتعزيز الاستفادة من التجارب الناجحة، ودعم التوجه نحو سياسات أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المرحلة المقبلة.
وفي النهاية، فإن الإصلاح الضريبي والمالي ليس هدفًا منفصلًا عن التنمية، بل هو أحد مساراتها الرئيسية. فتنمية الموارد، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتطوير الخدمات الرقمية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الإنتاج، كلها عناصر متكاملة تدعم بناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية.
ومن هنا، يمثل منتدى مصر 2026 مساحة مهمة لتعزيز هذه الرؤية، وترسيخ الحوار البناء حول مستقبل الاقتصاد الوطني، ودعم مسيرة التنمية بما يحقق مصالح الدولة والمستثمرين والمواطنين، ويفتح آفاقًا أوسع للنمو والازدهار.

