الطريق
جريدة الطريق

محمد فراج يكتب: الوعي والعمل والإنتاج.. ركائز قوة الدولة المصرية وبناء المستقبل

-

في ظل ما يشهده العالم من متغيرات اقتصادية وسياسية متسارعة، وتحديات متزايدة تفرض نفسها على مختلف الدول، تبرز أهمية الوعي الوطني باعتباره أحد أهم مقومات قوة الدولة المصرية وقدرتها على مواجهة الأزمات والحفاظ على استقرارها، بالتوازي مع مواصلة مسيرة التنمية الشاملة، وتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الصناعة الوطنية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب.

إن بناء الوعي الحقيقي لا يقتصر على مواجهة الشائعات أو تصحيح المعلومات المغلوطة فحسب، بل يمتد ليشمل تنمية قدرة المواطن على فهم ما يدور حوله، والتمييز بين الحقائق والادعاءات، وقراءة المؤشرات الاقتصادية والسياسية بصورة موضوعية، بعيدًا عن الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة أو الأحكام المتسرعة.

فالدولة القوية لا تقوم على مؤسساتها وحدها، وإنما تستند أيضًا إلى مجتمع واعٍ يدرك طبيعة التحديات، ويشارك بإيجابية في مواجهتها، ويؤمن بأن الحفاظ على مقدرات الوطن مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائه.

الوعي الوطني.. خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات

أؤمن بأن الوعي أصبح ضرورة وطنية في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، حيث يمكن لخبر غير صحيح أن ينتشر خلال دقائق، ويؤثر في الرأي العام، ويثير القلق دون الاستناد إلى حقائق موثقة.

وتكشف البيانات عن حجم هذه التحديات؛ فقد أشار تقرير نشرته «الأهرام أونلاين»، نقلًا عن بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، إلى ارتفاع نسبة الشائعات المرصودة خلال عام 2025 إلى 14.5%، مقارنة بـ13.8% في عام 2024، كما استحوذت الشائعات المرتبطة بمشروعات الدولة على 45.7% من إجمالي الشائعات المرصودة خلال 2025، مقابل 32.5% في العام السابق. وتؤكد هذه المؤشرات أهمية تطوير أدوات التوعية والتواصل الفعال مع المواطنين، وتقديم المعلومات الدقيقة في التوقيت المناسب. 

إن مواجهة الشائعات لا تتحقق بمجرد نفيها، وإنما تتطلب بناء ثقافة مجتمعية تقوم على التحقق من مصادر الأخبار، واحترام الحقائق، وعدم إعادة نشر المعلومات قبل التأكد من صحتها. كما تستلزم تعاونًا بين المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية والثقافية، إلى جانب مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، لنشر الوعي وتحصين الأجيال الجديدة من محاولات التضليل.

وقد أظهرت مبادرات التوعية الرقمية أهمية الاستثمار في الإنسان؛ إذ أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر، في سبتمبر 2026، عن استكمال مبادرة لمواجهة المعلومات المضللة، تضمنت تدريب أكثر من 120 شابًا، إلى جانب حملة توعوية رقمية وصلت إلى أكثر من 2.05 مليون مستخدم، وحققت نحو 6.2 مليون ظهور للمحتوى. وهي أرقام تعكس إمكانية الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع عندما تتوافر أدوات توعية حديثة ومحتوى مناسب للجمهور.

استقرار الدولة مسؤولية مشتركة

إن الحفاظ على استقرار الدولة المصرية لا ينفصل عن وعي المواطنين بحجم التحديات المحيطة، ولا عن إدراكهم لأهمية حماية المؤسسات الوطنية والحفاظ على تماسك المجتمع. فالاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستمرار العمل والإنتاج وجذب الاستثمارات وتنفيذ المشروعات التنموية.

لكن الاستقرار المستدام لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتوفير المعلومات بشفافية، والاستماع إلى احتياجات المواطنين، والتعامل الجاد مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في حياتهم اليومية.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي تكاتف الجميع، كلٌّ في موقعه؛ فالمؤسسات تؤدي دورها في التخطيط والتنفيذ وتوفير الخدمات، والإعلام يتحمل مسؤولية نقل المعلومات بمهنية، والقطاع الخاص يسهم في الإنتاج وتوفير فرص العمل، والمواطن يشارك بالعمل والالتزام واحترام القانون والحفاظ على المال العام والممتلكات العامة.

إن الاختلاف في الرأي لا يتعارض مع الانتماء الوطني، بل يمكن أن يكون عنصرًا إيجابيًا في تطوير الأداء وتصحيح المسارات، ما دام قائمًا على المعلومات الموثقة والحوار المسؤول والحرص على المصلحة العامة.

الصناعة الوطنية.. طريق أساسي لتعزيز قوة الاقتصاد المصري

وبالتوازي مع بناء الوعي، تبقى التنمية الاقتصادية والإنتاجية حجر الأساس في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات العالمية. فالأوطان لا تقاس قوتها بما تمتلكه من موارد فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة، وفرص عمل مستدامة، وصادرات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وتبرز أهمية القطاع الصناعي في هذا السياق؛ إذ تشير بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي المنشورة ضمن مستهدفات خطة العام المالي 2025/2026 إلى أن الصناعة التحويلية تسهم بنحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر أكثر من 4 ملايين فرصة عمل، وتمثل أكثر من 85% من الصادرات المصرية غير البترولية. المصدر

وهذه المؤشرات تؤكد أن الصناعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل ركيزة للأمن الاقتصادي، وأداة لتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة حصيلة الصادرات، وتوسيع قاعدة التشغيل، وتعزيز قدرة المنتج المصري على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

ومن هذا المنطلق، فإن دعم الصناعة الوطنية يجب أن يتحول إلى أولوية عملية من خلال تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، وتوفير التمويل المناسب للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير المناطق الصناعية، وتحسين جودة المنتجات، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والتدريب الفني.

كما أن تعميق التصنيع المحلي يمثل فرصة حقيقية للاستفادة من الطاقات الإنتاجية المصرية، وإحلال المنتجات المصنعة محليًا محل الواردات حيثما كان ذلك ممكنًا اقتصاديًا وفنيًا، بما يسهم في تخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وخلق سلاسل إمداد أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات العالمية.

ولا يعني دعم المنتج المحلي الاكتفاء بالطلب الداخلي، بل ينبغي أن يقترن برفع معايير الجودة، وتحسين القدرة التنافسية، والالتزام بالمواصفات الدولية، حتى يصبح المنتج المصري قادرًا على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

جذب الاستثمارات وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات

إن جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية يمثل أحد المحاور المهمة لدعم النمو الاقتصادي، لكنه يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها وضوح السياسات، واستقرار التشريعات، وسرعة الإجراءات، وتوافر البنية الأساسية، ووجود بيئة تنافسية تتيح الفرص أمام المستثمرين وفق قواعد واضحة.

كما أن زيادة الاستثمارات الإنتاجية، خاصة في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، تساعد على توسيع القاعدة الاقتصادية، وتوفير فرص عمل جديدة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

وفي هذا الإطار، يجب أن يحظى المستثمر المحلي باهتمام خاص، باعتباره شريكًا رئيسيًا في عملية التنمية، يمتلك معرفة بالسوق المصرية واحتياجاتها، ويمكنه الإسهام في تطوير المنتجات والخدمات وتوسيع النشاط الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، تمثل الاستثمارات الأجنبية فرصة لنقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية، شريطة أن ترتبط بمصالح تنموية واضحة، وأن تسهم في توطين الصناعة وتطوير المهارات وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

إن الهدف الحقيقي ليس مجرد الإعلان عن استثمارات جديدة، بل تحويلها إلى مصانع تعمل، ومشروعات تنتج، وفرص عمل تتوافر، وصادرات ترتفع، ودخل يتحسن، وهو ما يشعر المواطن بأثره المباشر في حياته اليومية.

الشباب.. الثروة الحقيقية ومستقبل الجمهورية الجديدة

لا يمكن الحديث عن التنمية الشاملة دون وضع الشباب في قلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية؛ فهم القوة القادرة على الابتكار والتطوير، وهم الأكثر استعدادًا للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة واقتصاد المعرفة.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المنشورة في أبريل 2026 إلى أن معدل البطالة في مصر تراجع إلى 6.3% خلال عام 2025، مقارنة بـ6.6% في عام 2024، كما ارتفع عدد المشتغلين إلى نحو 32 مليون شخص خلال العام نفسه. وتمثل هذه المؤشرات تطورًا مهمًا في سوق العمل، مع استمرار الحاجة إلى توسيع فرص التشغيل وتحسين جودتها وملاءمتها لمهارات الخريجين.

ومن الضروري أن تتكامل جهود الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والتدريبية لتأهيل الشباب لوظائف المستقبل، خاصة في مجالات الصناعة الحديثة، والبرمجة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والخدمات الرقمية، وريادة الأعمال.

كما ينبغي توسيع الفرص أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وتقديم الدعم الفني والتمويلي لأصحاب الأفكار القابلة للتنفيذ، لأن هذه المشروعات يمكن أن تتحول إلى محركات حقيقية للنمو المحلي، خاصة في المحافظات والمناطق التي تحتاج إلى مزيد من الفرص الاقتصادية.

إن تمكين الشباب لا يتحقق فقط بتوفير فرص العمل، بل أيضًا بمنحهم مساحة للمشاركة في صنع القرار، والاستماع إلى مقترحاتهم، وتطوير مهاراتهم، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلية.

التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان

إن الاستثمار في الإنسان هو القاسم المشترك بين الوعي والاستقرار والإنتاج والتنمية. فالعامل المدرب أكثر قدرة على رفع الإنتاجية، والمواطن الواعي أكثر قدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، والشاب المؤهل أكثر استعدادًا للمشاركة في بناء اقتصاد حديث وتنافسي.

ومن هنا، فإن تطوير التعليم والتدريب المهني، والارتقاء بالخدمات الصحية، وتعزيز الثقافة الرقمية والاقتصادية، تمثل جميعها استثمارات طويلة الأجل في مستقبل الدولة، وليست مجرد نفقات آنية.

كما أن نشر الوعي الاقتصادي بين المواطنين يسهم في توضيح طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد، وشرح العلاقة بين الإنتاج والتصدير والاستثمار وفرص العمل، بما يساعد على بناء نقاش عام أكثر موضوعية، قائم على البيانات والنتائج الفعلية.

ولا ينبغي أن يتحول الحديث عن الإنجازات إلى تجاهل للتحديات، أو أن تتحول الصعوبات إلى سبب لفقدان الثقة في إمكانية الإصلاح. فالنهج الأكثر فاعلية هو الاعتراف بما تحقق، وتحديد ما يحتاج إلى تطوير، وقياس النتائج بوضوح، والعمل المستمر على تحسين مستوى معيشة المواطنين.

كلمة أخيرة: مصر تستحق منا العمل والوعي والمسؤولية

إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية وطنية متكاملة تجمع بين حماية الوعي المجتمعي، والحفاظ على استقرار الدولة، وتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية، ودعم الصناعة والإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص حقيقية أمام الشباب.

فالوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والإنتاج والإخلاص وإتقان المسؤولية، كما أن الوعي لا ينفصل عن التنمية، والاستقرار لا ينفصل عن العدالة في إتاحة الفرص، والنمو الاقتصادي لا تكتمل قيمته إلا عندما ينعكس بصورة ملموسة على حياة المواطنين.

وأرى أن مسؤوليتنا جميعًا تقتضي أن نضع المصلحة الوطنية في مقدمة الأولويات، وأن ندعم كل جهد جاد يضيف إلى قدرات مصر الإنتاجية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام أبنائها، ويعزز قدرتها على التعامل مع التحديات العالمية بثقة ومرونة.

ستظل مصر قادرة على مواصلة طريق التنمية كلما تكامل وعي أبنائها مع قوة مؤسساتها، وكلما تحولت طاقات المجتمع إلى عمل منتج، وأفكار الشباب إلى مشروعات ناجحة، والإمكانات الوطنية إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.