الطريق
جريدة الطريق

محمد عبدالنبي يكتب: أغلبية على الورق وأزمة في الواقع.. لماذا يتعثر آيزنكوت قبل تشكيل الحكومة؟

محمد عبدالنبي 
-


يبدو أن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، بعدما كُلّف رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، عقب حصوله على توصية 67 عضواً بالكنيست، مقابل 46 توصية لرئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، بينما امتنع حزب «يهدوت هتوراه» عن دعم أي من المرشحين.
وعلى الورق، يبدو أن آيزنكوت حقق تقدماً واضحاً على نتنياهو، لكن قراءة المشهد بشكل أعمق تكشف أن امتلاك الأصوات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الحكم. فالأزمة الحقيقية ليست في عدد المقاعد، وإنما في طبيعة التحالفات السياسية ومدى استعداد أطرافها للعمل معاً.

فمعسكر آيزنكوت، الذي يضم أحزاباً وسطية ويمينية، لا يمتلك وحده الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، ويحتاج إلى دعم الأحزاب العربية التي منحت مرشحه توصيتها، في محاولة لمنع عودة نتنياهو إلى السلطة. لكن هذه الأحزاب ليست شريكاً مقبولاً داخل الائتلاف وفقاً لشروط آيزنكوت نفسه، الذي يرفض تشكيل حكومة تضمها.

وهنا تظهر المفارقة الأولى: كيف يمكن لمرشح أن يصل إلى تكليف تشكيل الحكومة بأصوات أحزاب يرفض إشراكها في الحكم؟ فالدعم العربي قد يمنحه أفضلية في الحسابات البرلمانية، لكنه لا يضمن له أغلبية سياسية مستقرة، خاصة مع رفض أفيغدور ليبرمان الاعتماد على دعم عربي من خارج الحكومة.
في المقابل، لم يعد معسكر نتنياهو بمنأى عن الانقسامات. فقد كشف الخلاف حول إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية عن خلافات عميقة مع الأحزاب الحريدية، وهو ما انعكس على موقف «يهدوت هتوراه» وامتناعها عن التوصية بنتنياهو.

لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة انهيار معسكره؛ فالأحزاب الحريدية قد تختلف مع نتنياهو حول ملف التجنيد، لكنها لا تبدو مستعدة بسهولة للتخلي عن مطالبها، كما أن الأحزاب العلمانية في معسكر آيزنكوت ترفض تقديم تنازلات قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها.

وبالتالي، يجد آيزنكوت نفسه أمام ثلاثة طرق صعبة: إقناع ليبرمان بقبول حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية من الخارج، أو استقطاب نواب من معسكر نتنياهو، أو التوصل إلى تفاهم مع الأحزاب الحريدية بشأن قانون التجنيد. وكل طريق منها يحمل تناقضات قد تفجر تحالفه قبل أن يرى النور.
وتزداد صعوبة المهمة مع المهلة الدستورية المحددة لتشكيل الحكومة، والبالغة 28 يوماً، مع إمكانية تمديدها 14 يوماً إضافية. وهي فترة قد لا تكون كافية لتجاوز خلافات تراكمت لسنوات داخل النظام السياسي الإسرائيلي.

والأهم أن تكليف آيزنكوت لا يعني خروج نتنياهو من المشهد؛ إذ يظل رئيساً لحكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وإذا فشل المكلف في مهمته، فقد تعود الفرصة إلى نتنياهو، أو تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة تزيد من حالة الاستقطاب السياسي.
في النهاية، تكشف هذه الأزمة أن إسرائيل لا تعاني فقط من صراع بين نتنياهو وخصومه، بل من عجز أعمق عن إنتاج تحالف سياسي قادر على الحكم والاستمرار. فالأصوات التي تصنع أغلبية على الورق قد تتحول إلى عبء عندما تصطدم بحسابات المصالح والخطوط الحمراء.

فهل يكون تكليف آيزنكوت بداية لنهاية حقبة نتنياهو، أم مجرد جولة جديدة في أزمة سياسية لا يبدو أن إسرائيل تملك حتى الآن طريقاً للخروج منها؟