الطريق
الخميس 4 يونيو 2026 03:23 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
محافظ قنا يتفقد التجهيزات النهائية لإفتتاح ”مجمع موقف قنا الجديدة” ويوجه بمراجعة أعمال المرافق وتوصيل الإنترنت أمين شباب حزب ”المصريين”: الاعتداء الإيراني على الكويت انتهاك صارخ للقانون الدولي محمد حماقى يواصل حصد الأرقام القياسية على أنغامي.. أكثر من 15 مليون استماع عالم أزهري: دجال إثيوبيا كاذب ومفترٍ وتسبب عمدًا في قتل ضحاياه أستاذ أورام: حقنة ”الاميفان” تحت الجلد تُحدث طفرة في علاج الأورام المتقدمة النائب إيهاب منصور يحسمها: يحق للمواطن التصالح على شقته منفردة حتى لو كان البرج بأكمله مخالفًا النائب إيهاب منصور: قانون التصالح بحاجة لقرار سيادي لكسر الجمود الإداري بالمحليات النائب إيهاب منصور: تجاهل تحذيرات نواب البرلمان وراء تعثر ملف التصالح لـ 7 سنوات السفير ياسر البخشوان: تضامن مصر مع الكويت يعكس العقيدة الراسخة للقاهرة في حماية الأشقاء 18 لاعبا يمثلون مصر في بطولة البريميرليج للكاراتيه بالمغرب رئيس الوزراء يتابع تنفيذ 105 مشروعات لتدعيم الشبكة القومية للكهرباء مدبولي يؤكد أهمية تنسيق الجهات المعنية للاستفادة من القدرات التصنيعية بمصانع الإنتاج الحربي

شحاته زكريا يكتب: حرب الإعلام الرمادي.. مصر ترد بالحقائق لا بالشعارات

لم تعد الحروب في زمننا الحديث تدار بالسلاح فقط بل بات الإعلام أحد أخطر أدواتها وأكثره تأثيرا. وفي قلب هذه الحرب المعقدة التي تتقاطع فيها المعلومة مع الإشاعة والحقيقة مع التضليل وقفت مصر بثبات لا تصرخ بالشعارات ولا تُجيد العزف على أوتار العواطف، بل تُدير معركتها بحكمة العقل وصلابة الدولة.

لقد دخل العالم عصرا جديدا من الإعلام الرمادي حيث لا يُمكنك الجزم بسهولة إن كان ما يُقال حقيقة كاملة أم نصف حقيقة مغلّفة بنوايا أخرى. إعلام لا يهاجمك مباشرة لكنه يُشوش وعيك يُربك مشاعرك يطرح أسئلته المسمومة في هيئة تقارير وينقل النصف المريح من الصورة ليصنع كيانا موازيا في ذهن المتلقي. ومن هنا يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول.

مصر التي عرفت طعم الخطر ودفعت أثمانا باهظة من أجل استقرارها، تدرك أن حماية وعي المواطن باتت من ضرورات الأمن القومي. لم تعد المسألة مجرد تصحيح معلومة بل معركة يومية في وجه ماكينة عالمية تُتقن التحريف وتنتقي اللحظات بعناية لتضرب حينما تكون الأعين منشغلة بغيرها.

لكن القاهرة لا تُجيد الانفعال ولا تستجيب للتحريض العاطفي. فكما أن معارك التنمية تُخاض بالأرقام والمشروعات والبنى التحتية فإن معركة الوعي تُخاض بالحقائق. لا ترد الدولة على كل صخب بل ترد بالفعل الهادئ الذي لا يحتاج إلى ميكروفونات. تتحدث بلغة الإنجاز وتشرح بلغة التجربة وتراهن على أن المواطن حين يرى لا يحتاج إلى كثير من التبرير.

لذلك فإن أخطر ما يواجهه الإعلام النظيف ليس الإعلام المعادي بل الإعلام الرمادي الذي يتستر بعباءة المهنية ويُقنّع سُمّه بتحليل بارد يختلط فيه النقد بالتشكيك والمعرفة بالتحريض الخفي. هذا الإعلام لا يصيح "يسقط"، لكنه يسأل ببراءة: "هل نحن على الطريق؟" أو يقول: "الأرقام لا تكفي إذا كانت البطون جائعة"، وهو يعلم أن الجوع الحقيقي لا يُقاس فقط بما على المائدة بل بما في العقل من يقين وثقة وانتماء.

وهنا تتجلى فرادة الموقف المصري. فبدلا من أن تُهدر الدولة وقتها في ملاحقة كل شائعة وضعت أقدامها بثبات على طريق الإصلاح. مدن جديدة، ومناطق لوجستية، وتحولات رقمية وأذرع تنموية تضرب في عمق الريف والصعيد والصحراء. لم ترد على الأصوات بل غيّرت الواقع نفسه.

وحين يتساءل البعض: لماذا لا تخرج مصر يوميا لترد على كل تقرير سلبي أو محتوى مضلل؟ تكون الإجابة واضحة: لأن الرد الأقوى هو ما يراه المواطن لا ما يسمعه ولأن الشعار في زمن الفوضى لا يملك قيمة تذكر أمام مشهد طفل يدخل مدرسة جديدة في قرية نائية ، أو مزارع يحصد محصولا وفّرت له الدولة سُبل إنتاجه أو شاب يجد عملا في مشروع كان يوما حلما مستبعدا.

في مواجهة هذا الإعلام الرمادي لا تسعى مصر لتجميل صورتها بل لتثبيت حقيقتها لا تُضخم إنجازاتها لكنها لا تسمح بسرقتها معنويا. تتحدث بلغة الإنجاز القادر على الصمود أمام الكاميرا المجردة لا أمام المونتاج الخبيث تضع أمامك الصورة الكاملة وتدع لك الخيار أن تراها كما هي لا كما يشتهي المحرّض أن تُراها.

والجميل أن المواطن المصري – رغم كل الضجيج – بات أكثر وعيا بما يُدبّر له لا يبتلع كل ما يُقال ولا يصدق كل عنوان. أدرك أنه في زمن التزييف يصبح العقل هو السلاح الحقيقي. وأن من يزرع الشك ليلا لا يريد الحقيقة صباحا بل يبحث عن التآكل الداخلي والتشكيك الصامت والانسحاب من الثقة في الذات.

مصر لا تخوض معركة الإعلام لتكسب تصفيقا أو لتُقنع الخصوم بل لتُحصّن جبهتها الداخلية. تدرك أن سلاحها الأهم ليس الرد على الاتهامات بل بناء وعي منيع يرى ويحلل يتساءل ويُدرك يعرف من أين تأتي الكلمات ولماذا في هذا التوقيت وما الهدف من كل هذه الأصوات التي تظهر فجأة حين يتقدم الوطن خطوة للأمام.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليست مع شائعة ولا تقرير بل مع هندسة الإدراك. ومصر بما تمتلكه من إرادة سياسية، وشبكة إعلامية وطنية، وتجربة حضارية عميقة قادرة على المواجهة. ليس بالصراخ بل بالحضور الهادئ والفعل الدؤوب.والحقائق التي لا تُهزم أمام موجات التشكيك.

ففي زمن الرمادي يظل الأبيض والأسود أكثر وضوحا وفي زمن الفوضى يبقى الصدق هو الجدار الأخير.

موضوعات متعلقة