شحاتة زكريا يكتب: فرنسا تكسر الصمت.. هل يصبح الاعتراف بفلسطين بداية تحول في ميزان الشرعية الدولية؟
لم يكن قرار فرنسا بالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية مجرد إجراء دبلوماسي عابر يُضاف إلى سجل المواقف الأوروبية بل جاء أقرب إلى صدمة في قلب النظام الدولي الذي ظل طويلا يتعامل مع القضية الفلسطينية بميزان مزدوج؛ فالاعتراف هذه المرة لم يصدر عن دولة صغيرة تبحث عن حضور رمزي ولا عن تكتل سياسي محدود التأثير بل عن فرنسا صاحبة المقعد الدائم في مجلس الأمن والقوة الأوروبية التي تحمل إرث الثورة ومبادئ الحرية والمساواة والعدالة.
هذا الاعتراف ليس مجرد توقيع على وثيقة، بل هو إعلان انحياز إلى فكرة الشرعية الدولية وتأكيد أن فلسطين ليست مجرد قضية إنسانية بل قضية حق وسيادة ووجود وأن تجاهلها لم يعد ممكنا فرنسا وهي تدرك حجمها في المعادلة الدولية تعلم أن خطوتها ستعيد فتح النقاش حول دور أوروبا في الشرق الأوسط بل وستدفع عواصم أخرى كانت مترددة إلى إعادة النظر في مواقفها لتضع إسرائيل لأول مرة منذ سنوات أمام مأزق حقيقي في علاقتها بالغرب.
سياسيا يمثل هذا الاعتراف تحولا في مقاربة الملف الفلسطيني؛ إذ لم يعد الحديث مقتصرا على وقف إطلاق النار أو تحسين الأوضاع الإنسانية في غزة بل صار السؤال الأعمق: ماذا بعد؟ هل يمكن أن يستمر الاحتلال في ظل اعترافات متتابعة تُقوّض شرعيته؟ وهل تستطيع إسرائيل أن تعزل نفسها عن هذه الموجة المتصاعدة من الاعترافات دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً؟
أما دبلوماسيا فإن الخطوة الفرنسية تحمل رسائل أبعد من حدود فلسطين؛ فهي رسالة إلى واشنطن بأن أوروبا لم تعد تقبل أن تكون تابعا أعمى لسياساتها في الشرق الأوسط ورسالة إلى العواصم العربية بأن صوتها مسموع وأن الشراكة لا تُبنى فقط على المصالح الاقتصادية بل أيضا على احترام الحق العربي في فلسطين؛ والأهم أنها رسالة إلى الفلسطينيين أنفسهم: أن العالم لم ينسَ قضيتكم وأن كفاحكم الطويل بدأ يجد صدى في أروقة القرار الكبرى.
لكن هل تكفي هذه الخطوة وحدها؟ الواقع يقول إن الاعتراف مهم لكنه غير كافٍ؛ فإسرائيل ما زالت تملك أدوات ضغط هائلة سواء عبر نفوذها داخل الولايات المتحدة أو عبر تحالفاتها الاقتصادية والأمنية مع أوروبا؛ غير أن الجديد هو أن صورة إسرائيل كـ"ضحية أبدية" بدأت تتصدع ، وأن السردية الفلسطينية وجدت مساحة أوسع في الإعلام الغربي والمنتديات الدولية وهو ما يُعيد توازن الخطاب بعد عقود من التحيز.
الاعتراف الفرنسي أيضا يفتح الباب أمام تحركات قانونية مهمة، أبرزها دعم طلبات فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية، وتعزيز موقفها في الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة؛ بل يمكن القول إن هذا الاعتراف سيمنح القضية الفلسطينية قوة دفع لم تتوافر منذ توقيع اتفاق أوسلو، حين كانت الآمال كبيرة قبل أن تُجهضها سياسات التوسع الاستيطاني.
الأبعاد الرمزية للقرار لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية؛ ففرنسا التي طالما قدّمت نفسها كحاملة لمبادئ الثورة الفرنسية تجد في فلسطين اختباراً حقيقيا لهذه المبادئ. أن تقول باريس اليوم إن للفلسطينيين حقا في دولة مستقلة يعني أنها تتجاوز لغة التوازنات الباردة إلى لغة القيم. وهذا ما يجعل الاعتراف حدثا أكبر من مجرد خطوة دبلوماسية بل نقطة انعطاف في الضمير الغربي ذاته.
المشهد الآن يفرض أسئلة جديدة: هل تلتحق برلين ومدريد وروما بركب باريس لتصنع أوروبا وزنا مختلفا في معادلة السلام؟ وهل يدرك الفلسطينيون أن استثمار هذه اللحظة يحتاج إلى وحدة وطنية تليق بثمن الاعتراف؟ وهل تستطيع العواصم العربية أن تبني على الموقف الفرنسي لتشكيل جبهة ضغط جماعي تدفع الملف الفلسطيني إلى صدارة الأجندة الدولية من جديد؟
في النهاية قد لا يغيّر اعتراف فرنسا وحده موازين القوة على الأرض بين الفلسطينيين وإسرائيل ، لكنه بالتأكيد يغيّر ميزان الشرعية. ومتى اهتزت الشرعية تصبح القوة مهما تعاظمت عاجزة عن فرض روايتها للأبد، ولعل هذه هي القيمة الحقيقية للقرار الفرنسي: أنه يعيد الاعتبار لفكرة الحق ويمنح الفلسطينيين سلاحا سياسيا لا يقل أهمية عن صمودهم على الأرض.
لقد كسرت فرنسا حاجز الصمت وفتحت نافذة في جدار بدا طويلا لا يُخترق، والكرة الآن في ملعب العالم: إما أن يتحول هذا الاعتراف إلى بداية مسار جديد يُنهي أطول صراع في العصر الحديث أو يبقى مجرد صفحة في أرشيف الدبلوماسية؛ لكن المؤكد أن فلسطين لم تعد غائبة عن الخريطة وأن الاعتراف بها صار جزءا من معادلة المستقبل.

