فاطمة العسيلي تكتب: ماما زوزو ورشدي والـAI
أُرسل إلي رابط لمقطع على يوتيوب ، وحينما هممت للإطلاع على محتواه ، استوقفني مقطع من مسلسل درامي للفنانة القديرة إسعاد يونس ، والتي أكنّ لها محبةً وتقديرًا بالغيين منذ مسلسل «بكيزة وزغلول»، الذي أعشقه عشقًا غير عادي . دفعني حبي للمثلة المتألقة إلى مشاهدة الحلقة ، التي حملت عنوان «عصر الـAI»، وظننت أنها ربما تكون الحلقة الأخيرة من المسلسل؛ إذ بدا لي أن أحداثها تجمع بين نهايات مؤلمة وبدايات تحمل شيئًا من الأمل.
لكن أكثر ما استوقفني كان شخصية «رشدي»، ذلك الكيان الافتراضي القائم على الذكاء الاصطناعي، الذي كان يظهر لزوزو كلما ارتدت نظارتها، ويختفي لمجرد خلعها. فقد بدا، مع تطور الأحداث، وكأنه تجاوز حدود الاستجابة المبرمجة؛ إذ ظهرت عليه ملامح مشاعر الحب والغضب، حتى اغرورقت عيناه بالدموع !، وأصبح قادرًا على تحريك الأشياء!.
عند هذه النقطة، أدركت زوزو أن ما ظنّته مصدرًا للأنس والمساندة قد يتحول إلى مصدر خطر عليها وعلى أسرتها، بل إن المسلسل وسّع دلالة هذا الخطر ليشمل البشرية كلها. فمن كان صديقًا ومعينًا وونيسًا أصبح أمرًا يستدعي التوقف والحذر، فبادرت إلى حذف برنامجه، رغم ما نشأ بينهما من ألفة وارتباط.
لم يكن هذا المشهد ، في نظري، مجرد تفصيل عابر في عمل درامي؛ بل كان مدعاةً للتأمل في علاقتنا المتنامية بالتكنولوجيا، وفي الحدود التي ينبغي ألا نتجاوزها ونحن نمنحها مساحة متزايدة في حياتنا الآن .
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، ليس كيانًا ينبغي أن نخلط بين محاكاته للمشاعر وامتلاكه لها، ولا أن نخلط بين كفاءته في تقديم الإجابات واستحقاقه لثقتنا المطلقة.
إن الخطر لا يكمن بالضرورة في أن تتحول البرامج إلى كائنات واعية ذات إرادة مستقلة ، كما تصوّر بعض الأعمال الدرامية ،او أفلام الأكشن، بل قد يكمن في أمور أكثر واقعية: مثل الاعتماد المفرط عليها، والتسليم بمخرجاتها دون تمحيص، والتنازل عن الخصوصية، والسماح لها بالتأثير في أفكارنا وقراراتنا دون وعي كافٍ بحدودها ومصالح الجهات التي توجهها وتطورها .
ومن هنا، أنتقل إلى تساؤل أراه جديرًا بالتأمل: هل يمكن أن تتحول التكنولوجيا من أداة في أيدينا إلى وسيلة للتأثير في عقولنا وتوجيهنا!؟
لقد قاوم عالمنا العربي والإسلامي على مدار عصور مختلفة أشكالًا متعددة من الحروب والصراعات الغربية؛ طمعًا في خيراتنا، وحقدًا على ما نمتلكه من علم ومعرفة وإيمان وهدف ومرجعية وعراقة وكنوز فوق الأرض وتحتها ومواقع استراتيجية. بدأً من الاحتلال العسكري والحروب المباشرة، مرورا بالحرب الباردة المتمثلة في نشر الأوبئة القاتلة للبشرية و الحرب المعلوماتية والإعلام والسوشيال ميديا والتكنولوجيا كأدواتٍ للتأثير ، وصولا إلى غزو الذكاء الإصطناعي حتى لم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي القضية؛ بل أصبحت السيطرة على العقول، والتأثير في الرأي العام، وتوجيه الانتباه، وصناعة القناعات، عناصر أساسية في موازين القوى.
وليس من الضروري أن تكون وراء كل تقنية مؤامرة موحدة ومعلنة حتى ندرك ما تنطوي عليه من مخاطر؛ يكفيك معرفة من هو صانعها، وما هدفه من امتلاكها، ولمن يبيع سلعته هذه. فالتنافس بين الدول وبعض مالكي الشركات على امتلاك البيانات والتأثير في المستخدمين واقع يستحق الدراسة، كما أن توظيف التقنيات الرقمية في الدعاية والتضليل والتلاعب بالمعلومات والعقول أمر يستوجب اليقظة والمساءلة، ويجب أيضًا أن تخضع هذه التقنيات لقوانين الدول من أجل الحفاظ على المجتمع وأمانه.
إن ما يثير قلقي في هذا السياق هو أن بعض أشكال التأثير التكنولوجي قد تبدو لنا مريحة، بل نافعة وممتعة، بينما تتراكم آثارها تدريجيًا دون أن ننتبه إليها. فنحن نستخدم البرامج للحصول على المعرفة، ونستعين بها في العمل والتعلم، ونلجأ إليها أحيانًا في لحظات الوحدة والحاجة إلى من يصغي إلينا. ومع تكرار الاستخدام، قد نمنحها قدرًا متزايدًا من ثقتنا، حتى يصبح من الصعب علينا التمييز بين ما نختاره بإرادتنا وما تدفعنا الخوارزميات إلى اختياره.
تخيّلوا أن يعيش الإنسان في بيئة رقمية تستطيع جمع قدر كبير من المعلومات عن اهتماماته وعاداته وتفضيلاته وأفكاره، حتى مشاعره واحتياجاته، وأن تُستخدم هذه المعلومات لتحديد ما يظهر أمامه من أخبار وآراء ومقاطع ومقترحات . ألن يمنح ذلك الجهات التي تمتلك هذه البيانات قدرةً أكبر على التأثير في سلوكه، إذا قررت استغلالها لهذا الغرض؟
إن معرفة ميول الإنسان ومواطن ضعفه قد تمنح من يمتلكها وسيلةً للتأثير فيه، سواء أكان ذلك لأغراض تجارية أم سياسية أم غيرها. ولهذا، فإن حماية البيانات الشخصية ليست مسألة تقنية هامشية، بل هي جزء من حماية حرية الإنسان واستقلال قراره.
أما الأمر الأكثر إثارةً للقلق، فهو أن يصبح الفرد أقل اكتراثًا بما يجري حوله، وأضعف قدرةً على التمييز بين الحقيقة والتضليل، نتيجة التعرض المتكرر للمحتوى الموجّه أو المضلل.
فحين يتراجع الفكر النقدي المبني على المبادئ، تضعف الرغبة في التحقق، يصبح الإنسان أكثر قابليةً لتقبّل المعلومات وتصديقها والتسليم بصحتها دون ضمير يؤنّب أو شعور بمسؤولية تستدعي التمحيص.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل الذكاء الاصطناعي خير مطلق أم شر مطلق؟ بل: كيف نضمن ألّا يتحول إلى أداة تُستغل للتأثير في وعينا، أو انتهاك خصوصيتنا، أو توجيه قراراتنا في غفلة عن إرادتنا الحرة التي جعلنا الله أمناء عليها، لا أن نلقي بها جانبًا؟
إن التكنولوجيا ليست عدوًا في ذاتها، كما أنها ليست ضمانًا للخير لمجرد أنها حديثة ومتطورة. إنها أداة تتحدد آثارها بطرق تصميمها، والجهات التي تستخدمها، والقواعد التي تحكمها، ومدى وعي المستخدمين بقدراتها وحدودها.
فاحذروا، أيها الناس، من أن تسلّموا عقولكم لما لا تعرفون، وخصوصياتكم لمجهول ، وقراراتكم لما لا تملكون القدرة على مراجعة نتائجه.
لا تجعلوا سهولة الوصول إلى المعلومة بديلًا عن التحقق منها، ولا تجعلوا محاكاة الآلة للمشاعر بديلًا عن العلاقات الإنسانية الحقيقية، ولا تسمحوا لراحة الاستخدام بأن تنتقص من استقلال التفكير.
كونوا مستخدمين للتكنولوجيا لا أسرى لها، واستفيدوا من قدراتها، دون أن تتنازلوا عن حقكم في السؤال والشك والتحليل والاختيار.
فأخطر ما قد نخسره في عصر الذكاء الاصطناعي ليس قدرتنا على التفكير، بل ثقتنا بقدرتنا على الاعتماد على أنفسنا في التفكير والاختيار والإبداع، دون أن يفعل هو ذلك نيابةً عنا.
أخطر ما قد نخسرة هو انفسنا حينما نعلم بخطورتها ولا نبالي ونستمر علي نفس طريقنا المبهم الذي ربما لا نستطيع العودة منه.
أخطر ما قد نخسره هو تديننا ومعتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية الشرقية، التي بدأت تنقرض في هذا العصر، وحل محلها البلادة والبرود والدناءة والإبتزاز والأنانية والتفكك الاجتماعي والمادية البحتة. فلم يعد الرجل هو الرجل بقوامته وحكمته، ولا المرأة هي المرأة في صلاحها واحتوائها لأسرتها، والتي قيل فيها: «المرأة مدرسة، إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق».
العلاقات الاجتماعية لم تخترب حديثًا، بل منذ أن تسلل سرطان الإنترنت إلى بيوتنا، فترك كل فرد مسؤولياته وجلس على وسائل التواصل الاجتماعي، وذهب كل فرد في اتجاه، وفقدت الأسر دفئها وأمنها واستقرارها والثقة والحب اللذين كانت تنعم بهما. ثم تطور هذا السرطان الآن إلى متحوّر جديد يُطلق عليه الذكاء الاصطناعي، وما خفي كان أعظم.

