فاطمة العسيلي تكتب: ياوطن بتعملها إزاي؟
اهتزّت دواخلي وجل كياني ، وفاضت مشاعري كالفيضان العظيم من فرط التأثر والتفاعل ، وانطلقت روحي تحلق في فضاءات الفخر والاعتزاز ، واعتصر قلبي فرحا ، شعرت أنه قد استعاد نبضًا كاد أن يخبو تحت وطأة ما شهدته أمتنا العربية من انقسامات وصراعات في الفترة الأخيرة ، واغرورقت عيناي بالدموع، ثم انهمرت على وجهي كشلالات تنحدر من قمم الجبال الشامخة ، حتى ابتلّ صدري بحرارة تلك الدموع التي لم تكن دموع حزن، بل كانت دموع فرح واعتزاز وأمل عاد لينبض من جديد .
كان ذلك حين رأيت ما أبداه الشعب المصري من مشاعر نبيلة ومواقف إنسانية أصيلة تجاه شقيقه السعودي ، وتفاعل إخواننا السعوديين مع إخوانهم المصريين ، في أعقاب تأخّر رحلات الطيران الخاصة بهم.
هذا المشهد لا يمكن ان يكون مجرد لفتة عابرة أو تصرّف إنساني محدود الأثر ، بل كان رسالة عميقة الدلالة، أعادت إلى الوجدان العربي شيئًا من بريقه، وأيقظت في النفوس حقيقة أنه مهما حاولت حملات التحريض، وأبواق الفتنة لن تطمس الحب والتآخي بين الإخوة العرب ، وأن ما يجمع الشعوب العربية أكبر بكثير مما يفرّقها، وأن روابط الأخوّة بين أبناء هذه الأمة أعمق من أن تمحوها حملات الكراهية والتضليل.
لقد شعرت، وأنا أتابع ذلك المشهد، وكأن الدماء تعود إلى شرايين أمتنا التي أنهكتها الانقسامات ، وكأن نافذة جديدة تُفتح في جدار اليأس والإحباط الذي أحاط بنا في السنوات الأخيرة ، وأدركت أن الوعي الشعبي بدأ يستعيد مكانته، وأن كثيرًا من أبناء أمتنا الكويتين والإماراتيين والمصريين والسعوديين، باتوا أكثر إدراكًا لما يُبثّ بينهم من رسائل مغرضة، وما يُنسج حولهم من روايات تستهدف تأجيج الخلافات، وتحويل الاختلافات السياسية إلى عداوات شعبية، حتى يصبح الأخ في نظر أخيه خصمًا، ويغدو الشقيق غريبًا في عيون شقيقه، لكنهم برهنوا أن معادنهم الأصيلة تنفض عنها تراب التغيرات الزمنية والعوامل الدخيلة وقت الحاجة لتعود لتشع بريقا ناصعا يضاهي أشعة الشمس في بريقها ودفئها.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أمة ليس اختلافها في الرأي أو تباين مواقف بعض دولها ، فذلك أمر عرفته الأمم على امتداد تاريخها، وإنما الخطر الحقيقي..، أن تفقد القدرة على التمييز بين خلافاتها المشروعة وبين محاولات استغلال تلك الخلافات لتفكيك روابطها وضرب مصالحها المشتركة ، وهنا تبرز مسؤوليتنا جميعًا في تحصين وعينا، والتحقق مما نتلقاه من أخبار ومعلومات ، وعدم الانسياق وراء حملات التحريض التي يتغذّى عليها الذباب الإلكتروني الغاشم ، وتقتات على الشكوك، وتجد في كل أزمة فرصة لإشعال فتيل العداوة بين الشعوب .
ولعلنا لا نبالغ حين نقول إن وحدة العرب وتضامنهم يمثلان مصدر قلق لكل قوة ترى في تماسكنا عائقًا أمام أطماعها ونفوذها في الوطن العربي ، غير أن مواجهة هذه المخاطر لا تكون بترديد الاتهامات وحدها، ولا بإلقاء المسؤولية على الآخرين دون مراجعة الذات، بل ببناء وعي سياسي ناضج، وتأسيس تعاون عربي حقيقي ، وتحصين مجتمعاتنا من التضليل ، وإدراك أن أمننا القومي لا يتجزأ، وأن إضعاف أي دولة عربية ينعكس علي شقيقاتها فنحن كما قال الحديث الشريف «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».رواه الصحابي النعمان بن بشير -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم
اللهم وحد صفوف المسلمين واجمع امة رسولك الكريم علي الحق والدين وأنر بصيرتهم بمن يٌرد بهم السوء والفرقة والخسران واجمعهم عليه على قلب رجل واحد وراية واحدة وكلمة الله أكبر تدوي في سماء وطننا العربي من جديد .

