محمد دياب يكتب: أكتوبر.. جرح إسرائيل المفتوح وأطماع الهيمنة
تظل هزيمة أكتوبر 1973 حاضرة في الذاكرة الإسرائيلية، جرحًا استراتيجيًا أعاد تشكيل وعي المنطقة بموازين القوة، ورسالة تاريخية أثبتت أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير مسار الأحداث. فمن قلب المعركة، استعادت مصر ثقتها بقدراتها، وأسقطت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وكتبت بدماء أبطالها صفحة خالدة في تاريخ الكرامة الوطنية.
ومنذ ذلك اليوم، تسعى إسرائيل إلى ترميم صورتها وتوسيع نفوذها، مستندة إلى التفوق العسكري والدعم الأمريكي، بينما تكشف تطورات المنطقة اتساع الفجوة بين طموحات الهيمنة وتعقيدات الواقع. فالحروب تمنح القوة العسكرية قدرة على التدمير، أما صناعة الاستقرار وامتلاك ثقة الشعوب فتحتاج إلى شرعية سياسية واحترام متبادل وحقوق مصونة.
ومن هنا، تبدو اتفاقيات التطبيع أبعد من أن تكون تعبيرًا كاملًا عن حقيقة المشهد العربي؛ فالعلاقات الرسمية تحكمها حسابات المصالح، بينما يتشكل الوعي الشعبي من الذاكرة والتجربة والعدالة. وتظل القضية الفلسطينية في قلب هذا الوعي، باعتبارها قضية أرض وكرامة وحقوق، وميزانًا حقيقيًا لجدية أي حديث عن السلام في المنطقة.
وعلى امتداد الجغرافيا العربية، تتواصل تداعيات السياسات الإسرائيلية في لبنان وسوريا والعراق، فيما تفرض التحولات الإقليمية حسابات معقدة على مختلف الأطراف. وجاءت المواجهة مع إيران لتكشف حجم المخاطر التي تحملها رهانات القوة، ومدى ارتباط نتائج الحروب بتوازنات السياسة والجغرافيا والاقتصاد والإرادة الشعبية، مهما بلغ حجم الدعم الخارجي.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف فلسطين عنوانًا للصمود والتمسك بالأرض، ويظل رفض التهجير تعبيرًا عن إرادة شعب يتشبث بوطنه وحقه في الحياة. أما غزة، فقد تحولت مع ما شهدته من دمار ومعاناة إنسانية إلى شاهد عالمي على كلفة الصراع، وإلى قضية حاضرة في ضمير الشعوب، بالتزامن مع اتساع دوائر الانتقاد الدولي للسياسات الإسرائيلية وتزايد المطالب بحماية المدنيين وصون الحقوق الفلسطينية.
وتكشف هذه المشاهد عن أزمة أعمق في المشروع الإسرائيلي؛ إذ تتقدم حسابات التوسع والسيطرة على متطلبات الأمن المشترك، وتتسع المسافة بين خطاب السلام وممارسات الاحتلال والاستيطان والاعتداءات المتكررة. فالسلام العادل يستند إلى احترام سيادة الدول، وإنهاء الاحتلال، وصيانة الحقوق الفلسطينية، وإقامة علاقات تقوم على الثقة والتكافؤ وحسن الجوار.
وهنا تستعيد ذكرى أكتوبر معناها الاستراتيجي الأوسع؛ فالنصر الذي صنعه المصريون يؤكد أن قوة الأوطان تبدأ بوعي شعوبها، ووحدة صفها، وقدرتها على امتلاك أدوات الردع وحماية المصالح الوطنية. كما تفرض تحديات الحاضر تعزيز التضامن العربي، وتنسيق المواقف، وبناء قوة سياسية واقتصادية قادرة على مواجهة الأطماع وصيانة مقدرات المنطقة.
ستظل حرب أكتوبر علامة فارقة في التاريخ، وستبقى هزيمة 1973 درسًا حاضرًا في الحسابات الإسرائيلية، فيما تظل المنطقة أمام اختبار طويل بين منطق الهيمنة وفرص السلام العادل. وبين ذاكرة النصر وتحديات الحاضر، تتمسك مصر بثوابتها الوطنية، وتؤكد أن استقرار الشرق الأوسط يرتبط باحترام الحقوق، وصيانة السيادة، وإقامة سلام يحفظ للشعوب أمنها وكرامتها ومستقبلها.

