الطريق
الخميس 4 يونيو 2026 09:18 مـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
”يا أُمي وجدتها في مصر”.. قصة طالب إفريقي أبكت الحاضرين في برنامج ”المواطن والمسؤول” إعلام خارج الصندوق.. ”المواطن والمسؤول” يرفع هموم البسطاء للأجهزة التنفيذية استشاري: 5 عوالم افتراضية تكشف الوجه الخفي لسلوك الذكاء الاصطناعي المستقل مختار غباشي: إيران مستعدة للرد إذا اجتاحت إسرائيل بيروت مختار غباشي: مضيق هرمز «الورقة الذهبية» التي اكتشفتها إيران خلال الحرب ندى ثابت: انتحال الصفة الطبية جريمة تهدد حياة المواطنين حصيلة تجارة ”السموم”.. كيف حاول عنصر إجرامي إخفاء 190 مليون جنيه خلف ستار لا دعي للقلق.. مدبولي: واجهنا تأثيرات الحرب بخطة سريعة وأسواق بديلة|فيديو الطاقة الخضراء.. مدبولي: حوافز جديدة في الطريق للمواطنين والمصانع|فيديو مدبولي يحسم الجدل: لا مفاوضات على قرض جديد حاليًا|فيديو بعد تداول شكاوى الركاب.. ضبط سائق ميكروباص تلاعب بالتعريفة المقررة في الفيوم حقوق الإنسان والرعاية الصحية.. تفاصيل تفتيش النيابة العامة لمراكز إصلاح العاشر من رمضان

خيري شلبي.. هكذا تصنع وحيك

كوب من الماء الساخن، اسفنجة أو قماشة قديمة، عشرة أقلام حبر، وزجاجة حبر.. كانت هذه باختصار مقادير استحضار الوحى عند خيرى شلبى.. وإليكم الطريقة:

قم بتنظيف الأقلام جيدا عن طريق ملئها وتفريغها عدة مرات بالماء الساخن لتتخلص من بقايا الحبر القديم الذى صار جافا، ثم اتركها قليلا لتجف، وبعدها ابدأ بملئها من جديد ولكن بالحبر هذه المرة.

لم يكن خيرى شلبى فى حاجة إلى أكثر من هذه الدقائق ليكون وحيه مستعدا تماما لإمداده بما يحتاج من أفكار ستتدفق إلى الورق تدفق النيل فى سنوات الفيضان السمان، ففيها يكون ذهنه قد صفا تماما، وتكون عضلات أصابعه القوية قد سخنت كلاعبى الكرة الذين يجرون تمارين الإحماء قبل المباريات بقليل، فهى مقبلة على ساعات من الكتابة المتتالية، ولن يرغب هذا الوحى أن يقطعه شىء ولو بسيط كملء قلم نفد حبره، فبدلاء القلم التسعة جاهزون للاستعانة بأحدهم في أى وقت وحتى نهاية السهرة التي ستمتد غالبا حتى الصباح.

بالطبع الأمر لم يكن بهذا اليسر، ولم يكن مداد الكتابة الغزيرة التى أنتجها خيرى شلبى مجرد حبر فى أقلام عدة يملؤها قبل بدء سهرته الكتابية، ولكن كانت الخطوات السابقة مجرد تأهيل نفسى لما هو مقدم عليه من فعل كتابة يومى، درّب نفسه عليه سنوات طويلة ليصبح روتينا حياتيا، فماكينة الكتابة لابد وأن تعمل يوميا ولابد وأن يكون هناك مُنتج ما، فصل من رواية أو جانب من قصة قصيرة، أو ربما مقال أو بورتريه، المهم أن تكون هناك كتابة، حتى لو انتهت الليلة برفض كل ما كتب وإعدامه.

أما المداد والوحى الحقيقى لخيرى شلبى فكان تجربة حياتية طويلة وغير مسبوقة، تجربة عرفت مبكرا الشقاء والتعب، حياة مُرة لم تمر مرور الكرام بل حفرت آثارها فى قلبه قبل أن تتحول تجاعيد فى يده أو على وجهه، بل هى ليست مجرد حياة واحدة، فمن عمل فى صباه نجارا وحدادا ومكوجيا وبائعا سرّيحا وخياطا وعاملا مع عمال التراحيل لن تكفيه أبدا حياة واحدة ليفعل كل ذلك، ومن ينشأ فى أسرة جار عليها الزمن وانقلب حالها ليصبح الطفل خيرى شلبى الذى يتأهب لدخول المدرسة مطالبا بالإنفاق على تعليمه بل وأسرته لن تكون حياته فيما بعد عادية أبدا، ومن يدرك في عز هذا الشقاء أن مستقبله بأن يصبح كاتبا لن يكون أبدا كاتبا تقليديا ينتظر من الوحى أن يتلطف به، ولن يجلس أبدا فى برج عاجى ينتظر الإلهام ليأتيه من السماء، بل هو اكتفى بما منحته له السماء من موهبة عملاقة وما منحته له الأرض من تجربة ثرية لتظل وحيا دائما ومعينا لا ينضب، يكفيه فقط أن يتأهب نفسيا ليستعيد حيواته المتعددة، مشبعا بالتجربة والرضا عن معارفه وتقنيات فنية تحصل عليها عبر الأعوام الطويلة، ولم يكن يقلقه إلا المرض الذى يذل الإنسان، ولكنه ظل يقاوم قلقه من المرض بالاستمرار فى الكتابة متوحدا مع وحيه حتى النفس الأخير.