شحاته زكريا يكتب في زمن الانقسام.. لماذا تظل السعودية ومصر صمّام الأمان؟
في زمن تتنازع فيه الأوطان بين صخب الشعارات وفراغ الفعل وتضيع فيه البوصلة بين استقطابات السياسة وأصوات التشظي تظهر علاقة مصر والسعودية كعلامة استقرار وسط بحر متلاطم من الفوضى ونقطة ضوء في مشهد عربي مثقل بالتناقضات والتدخلات ليس لأن العلاقة بين البلدين استثنائية فقط، بل لأنها تقوم على عقل دولة وضمير أمة وتستند إلى تاريخ ممتد من التفاهم والتكامل والدور المشترك في حماية الكيان العربي.
منذ عقود والعلاقة بين القاهرة والرياض ليست علاقة مصالح عابرة أو تحالفات ظرفية بل هي شراكة راسخة جذورها ضاربة في الأرض ، وثمارها تمتد إلى حاضر المنطقة ومستقبلها وقد أثبتت هذه العلاقة أنها قادرة على الصمود في وجه التحديات، بل والقيام بدور الموازن الإقليمي حين تغيب الرؤى وتتضارب الأجندات لم يكن التنسيق المصري السعودي رد فعل لأزمة عابرة، بل قرار استراتيجي.ينطلق من إدراك عميق بأن لا أمن عربي ولا استقرار إقليمي دون وحدة الموقف بين الدولتين الأكبر في العالم العربي.
الأرقام تتحدث قبل الشعارات. السعودية هي الشريك العربي الاقتصادي الأول لمصر والعلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين حققت طفرات غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، في ظل توافق رؤيتي البلدين للتنمية والتحول. لم يكن هذا التعاون مظهرا شكليا بل تطور ليصبح تحالفا إنتاجيا وتنمويا يستهدف الإنسان العربي أولا ، ويُعيد الاعتبار لمفهوم الاعتماد العربي على الذات في صناعة التنمية.
سياسيا أدركت القاهرة والرياض أن التحديات التي تواجهها المنطقة تتطلب عقلا عربيا مبادرا لا ينتظر الضوء الأخضر من الخارج.بل يتحرك بحسابات دقيقة تُقدّم المصلحة العامة على الضجيج ، وتُحافظ على الدولة الوطنية في وجه مشاريع التفكيك والوصاية وفي كل الملفات الساخنة من فلسطين إلى السودان، ومن اليمن إلى ليبيا، كانت الدولتان تتحركان بهدوء وثقة وتقدمان نماذج لحلول واقعية تحفظ وحدة الدول واستقرارها وتُغلّب الحلول السلمية على منطق السلاح.
في فلسطين تحديدا لم تكن مواقف مصر والسعودية مجرّد بيانات دعم بل كانت مواقف عملية وصريحة في وجه مشاريع تصفية القضية وتهجير السكان رفض واضح لأي محاولات لفرض أمر واقع بالقوة، وإصرار على أن السلام لا يكون إلا عادلا وأن الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود ٤ يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية ، ليست خيارا تفاوضيا بل حق لا يسقط بالتقادم.
ما يجعل هذا التحالف العربي أكثر قوة هو إدراك الدولتين لخطورة ما يُحاك في الكواليس من محاولات لإضعاف الموقف العربي وتقسيم المنطقة إلى كانتونات مصالح. في مواجهة ذلك تحوّلت مصر والسعودية إلى حائط صد سياسي وإلى حاضنة للعقل العربي المتزن ، الذي يوازن بين الواقعية والمبادئ وبين المصالح الوطنية والثوابت التاريخية.
وهنا برز الدور المزدوج للدولتين: دور في حماية الأمن القومي العربي، ودور في إعادة صياغة التفاعلات الإقليمية بما يعيد للدولة العربية مكانتها، ويضع حدا لمشروعات الفوضى المقنعة.
ليس سرا أن العلاقة بين البلدين تعرّضت لحملات تشويه منظمة حاولت بعض المنصات أن تصطاد في الماء العكر وأن تُفسد ما لا يُفسد لكن الحقيقة أن هذه الحملات لم تنجح لأن العلاقة بين مصر والسعودية أكبر من أن تُختزل في موقف إعلامي أو تفصيلة عابرة. إنها علاقة تحكمها الجغرافيا والمصير المشترك ويحميها وعي القيادتين.وتُديمها مصالح الشعوب.
في الداخل تقدم مصر والسعودية نموذجين لدولتين تمسكتا بمشروع البناء وسط ركام الإقليم ، وراهنتا على الإنسان والتعليم والتكنولوجيا والاقتصاد.بدلا.من اللهاث وراء الاستقطاب أو الخطابات الخشبية هذا التوجه جعل منهما نقطة جذب للاستثمار والثقة الدولية، وركيزة للمنظومة العربية في زمن التحولات الكبرى.
اليوم تزداد أهمية هذا التحالف العربي وسط عالم يعيد تشكيل خرائط النفوذ وتتحرك فيه القوى الدولية بمنطق المصالح الصرفة دون اعتبار للتاريخ أو القيم. وفي هذا العالم ، تظهر الحاجة إلى دول تمتلك صوتا مسموعا ورؤية واضحة ومصر والسعودية تمتلكان ذلك وأكثر. تمتلكان ثقلا إقليميا وشبكة تحالفات ممتدة وقبل كل شيء: تمتلكان القدرة على الوقوف في وجه العاصفة دون أن تنكسر البوصلة.
إن قوة العلاقة المصرية السعودية لا تكمن فقط في الاتفاق بل في قدرتها على إدارة الخلاف بالحكمة ، وعلى تجاوز الفروق بالمسؤولية وعلى تحويل التباين إلى تنوّع ثري يخدم الطرفين وهذا هو سرّها الحقيقي: أنها علاقة ناضجة لا تبحث عن مجد ذاتي، بل عن مصلحة مشتركة تصنع التوازن وتحفظ الكيان العربي من الانهيار.
في زمن الانقسام لا شيء أهم من الثبات. ومصر والسعودية تقدمان درسا بليغا في كيف تصنع الدول توازنات تاريخية وسط زلازل السياسة. ليست علاقتهما نكاية في أحد وليست اصطفافا ضد أحد بل هي شراكة تحفظ للأمة عقلها، وتُبقي لها أملا.
وما دامت القاهرة والرياض بخير، سيظل للعرب عمود فقري لا ينكسر وسيظل في الأمة صوت عاقل لا تُغريه المغامرات، ولا تُسكته العواصف.













